أحدهما على الآخر ، ولا سيما إذا كان الظن عن أمارة قوية تقرّبه من العلم . وثانيهما أن الظن بمعناه الحقيقي والمراد بملاقاة الرب ، إما لقاء ثوابه وذلك مظنون لا معلوم ، وإما الموت الذي هو سبب اللقاء ووقته غير معلوم إلا أنه متوقع كل لحظة وقوعا راجحا عند المؤمن ، لأنه قطع أمله أو لأنه يحب لقاء ربه
إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ
[ الجمعة : 6 ] . ويحتمل أن يقال : معناه على هذا التفسير الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم ، فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى اللّه بذنوبه ، فعند ذلك يتسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح .
وبقي هاهنا بحثان : الأول : استدل أهل السنة بالآية على جواز رؤية اللّه تعالى ، وأنكرها المعتزلة قالوا : اللقاء لا يفيد الرؤية لقوله تعالى
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ
[ التوبة : 77 ] والمنافق لا يرى ربه ، ولقوله
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ
[ البقرة : 223 ] ويشمل الكافر والمؤمن .
وقال صلى اللّه عليه وسلم « من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللّه وهو عليه غضبان » « 1 »
وأجيب بأن اللقاء في اللغة وصول أحد الجسمين إلى الآخر اتصال التماس ، وهذا اللقاء سبب الإدراك . فحيث يمتنع حمله على أصله وجب حمله على الإدراك ، لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز . فإن منع من ذلك أيضا مانع أضمر بحسب ذلك ، فإن الإضمار خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لمانع .
ففي قوله
إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ
[ التوبة : 77 ] دعت الضرورة إلى إضمار الجزاء ونحوه ، وفي الآية لا ضرورة ، فحمله على الإدراك أولى .
البحث الثاني : المراد من الرجوع إلى اللّه الرجوع إلى حكمه حيث لا مالك لهم سواه
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر : 16 ] كما كانوا كذلك في أول الخلق بخلاف أيام حياتهم في الدنيا ، فإنه قد يملك الحكم عليهم ظاهرا غير اللّه تعالى . قال المجسمة :
الرجوع إلى غير الجسم محال فدل ذلك على كونه تعالى جسما . وقال أهل التناسخ :
الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده فدلت الآية على كون الأرواح قديمة ولا يخفى جوابهما واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الخصومات باب 4 . مسلم في كتاب الإيمان حديث 220 - 222 . أبو داود في كتاب الايمان باب 1 . الترمذي في كتاب البيوع باب 42 . ابن ماجة في كتاب الأحكام باب 8 .
أحمد في مسنده ( 1 / 377 ، 416 ) .