تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
أن مثل هذا الوعظ يصير سببا للمعصية لأن الناس يقولون لولا أن هذا الواعظ مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المناهي ، فيكون داعيا لهم إلى التهاون بالدين والجرأة على المعاصي ، وهذا مناف للغرض من الوعظ فلا يليق بالعقلاء . ومنها أن غرض الواعظ ترويج كلامه وتنفيذ مرامه ، فلا خالف إلى ما نهى عنه صار كلامه بمعزل عن القبول وهذا خلاف المعقول . قال بعضهم : ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر استدلالا بهذه الآية ، وبقوله تعالى
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 2 ] وبأن الزاني بامرأة يقبح منه أن ينكر عليها ، وأجيب بأن المكلف مأمور بشيئين : ترك المعصية ، ومنع الغير عنها ، والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر . والذم في الآية مترتب على الشق الثاني وهو نسيان النفس لا على مجموع الأمرين ، قالوا : وحديث القبح ممنوع . قلت : والحق أنه مكابرة ، فعن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار . فقلت : يا أخي يا جبريل من هؤلاء ؟ فقال : هؤلاء خطباء من أهل الدنيا ، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم » « 1 » وقال صلى اللّه عليه وسلم « إن في النار رجلا يتأذى أهل النار بريحه » . فقيل : من هو يا رسول اللّه ؟ قال : عالم لا ينتفع بعلمه » وقال صلى اللّه عليه وسلم « مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه » وعن الشعبي : يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون : لم دخلتم النار فإنا دخلنا الجنة بفضل تعليمكم ؟ فقالوا : إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله . وقيل : من وعظ بقوله ضاع كلامه ، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه . وقيل : عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل . روي أن يزيد بن هارون مات - وكان واعظا زاهدا مات - فرؤي في المنام فقيل : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : غفر لي ، وأوّل ما سألني منكر ونكير فقالا : من ربك ؟ فقلت : أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى اللّه كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك . وقيل للشبلي عند النزع : قل لا إله إلا اللّه . فقال :
إن بيتا أنت ساكنه * غير محتاج إلى سرج
ولما أمرهم اللّه تعالى بالإيمان وترك الإضلال وبالتزام الشرائع وموافقة القول للفعل وكان ذلك شاقا عليهم لما فيه من ترك الرئاسات والإعراض عن المال والجاه ، عالج اللّه تعالى هذا المرض بقوله
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
فكأنه قيل : واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد صلى اللّه عليه وسلم بالصبر أي حبس
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 3 / 120 ، 231 ، 239 ) .