قد مدح اللّه سبحانه وتعالى الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه . هذا منها .
والمتوسمون : هم المتفرسون الذين يأخذون بالسيماء ، وهي العلامة .
يقال : توسمت فيك كذا ، أي تفرسته ، كأنها أخذت من السيماء ، وهي فعلاء من السمة ، وهي العلامة .
وقال تعالى : 47 : 30
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ
وقال تعالى : 2 : 273
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ
وفي الترمذي مرفوعا « اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور اللّه » « 1 » ثم قرأ
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
.
وقال في مدارج السالكين :
قال مجاهد رحمه اللّه : المتوسمين المتفرسين . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : للناظرين . وقال قتادة : للمقرين ، وقال مقاتل : للمتفكرين .
ولا تنافي بين هذه الأقوال . فإن الناظر متى نظر في آثار ديار المكذبين ومنازلهم ، وما آل إليه أمرهم ، أورثه فراسة وعبرة وفكرة . وقال تعالى في حق المنافقين
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
فالأول فراسة النظر والعين . والثاني فراسة الأذن والسمع .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه يقول : علق معرفته إياهم بالنظر على المشيئة ولم يعلق تعريفهم بلحن خطابهم على شرط ، بل أخبر به خبرا مؤكدا بالقسم فقال :
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
وهو تعريض الخطاب ، وفحوى الكلام ومغزاه .
واللحن ضربان . صواب وخطأ .
فلحن الصواب نوعان . أحدهما : الفطنة .
ومنه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للمتخاصمين « ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض » .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي برقم 3127 .