الإتيان بمثل كتابه مستحيل وهو المقصود ، والحمد للّه .
أنّ القائل بهذا القول عليم بحقائق المعلومات ، خبير باستعداد الموجودات ، بصير بأحوال الخلق من الإنس والجنّ ، سميع لإستدعاء العباد والتماساتهم بلسان الحال والقال ، لقوله فيه تأكيدا فيه :
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ يونس : 61 ] .
أمّا أمّ الكتاب الّذي هو العقل الأوّل ، وأمّا اللوح المحفوظ الّذي هو النّفس الكلّيّة ، وأمّا القرآن الجامع بينهما ، وأخرهما من الآفاق والأنفس لأنّه الجامع لصورة إجمالهما وتفصيلهما كما عرفته مرارا والكلّ راجع إلى علم اللّه تعالى بالكلّ وأنّ الكلّ لا يتمكّنون من الإتيان بمثل القرآن وهو المقصود ، ومن هذا ثبت له فضيلة فوق فضيلة كلّ كتاب نزل من السّماء .
وأكثر هذا الأبحاث قد سبق في المجلد الأوّل ، ومع ذلك ههنا دقيقة شريفة لابدّ منها وهي :
أنّ الإنس والجنّ من عالم المحسوسات ، وكتابه القرآن شامل لجميع ما في العوالم العلويّة والسفليّة من الرّوحانيّات والجسمانيّات المعبّرة عنها بالكلمات والآيات ، وعالم المحسوس بأسره بالنّسبة إلى تلك العوالم كالقطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط فكيف يمكن إحاطة القطرة بالمحيط أو إحاطة الجزء بالكلّ ، ومن هذا قال :
لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
[ الإسراء : 88 ] .
وفيه قيل :
يفنى الكلام ولا يحيط بوصفه * أيحيط ما يفنى بما لا ينفد