وأمّا الإمساك الثاني ، فالإمساك عن صرف القوّة الحافظة إلّا فيما خلقت لأجله
، وهو حفظ المعارف الإلهيّة والعلوم العقليّة وما شاكل ذلك ، لأنّها خازن القوّة المفكّرة ، والقوّة المفكّرة ما خلقت إلّا للفكر في أمثال ذلك ، وإذا كان كذلك فلا يكون في خزانته غير ذلك ، فيحرم على القوّة الحافظة إلّا حفظ أمثالها لتدخل بذلك في طائفة ورد فيهم :
وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
[ التوبة : 112 ] .
وأوّل حفظ الحدود صرف كلّ قوّة فيما خلقت لأجله واللّه أعلم وأحكم .
وأمّا الإمساك الثالث ، فالإمساك عن صرف القوّة المتخيّلة إلّا فيما خلقت لأجله
وهو تصوّر صورة الشخص عمروا أو زيدا بأنّه كذا وكذا من حيث الشكل واللون ، كما أنّ شغل القوّة الوهميّة تصوّر العداوة والمحبّة في الأشخاص ، والقوّة المتخيّلة بهذا السبب تعرض كلّ ساعة على صاحبها الأشخاص الكثيرة والصور المتنوّعة ، ويمنعها عن تخيّل فيما خلق لأجله لأنّ هذا شغله ، ويدلّ عليه قوله تعالى :
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
[ طه : 66 و 67 ] .
هامش
« تفكّر ساعة خير من عبادة سنة ، قال اللّه تعالى :إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ *.
وأخرج مثله الغزالي في « إحياء علوم الدّين » ج 4 ص 615 ، كتاب التفكّر .
وروى الكليني في الكافي ج 2 ص 54 ، باب التفكّر الحديث 2 بإسناده عن الحسن الصيقل قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عمّا يروي الناس : « أنّ تفكّر ساعة خير من قيام ليلة » ، قلت : كيف يتفكّر ؟ قال : « يمرّ بالخربة أو بالدار فيقول : أين ساكنوك ، أين بانوك ، ما ( با ) لك لا تتكلّمين ؟ » .