( تأثير النفس والهواء البارد في بقاء حياة الإنسان )
ألا ترى أنّ النّفس به يكون حياة الجسم الحسّاس ، فإذا منع بالشنق والخنق خروج ذلك النفس ، انعكس راجعا إلى القلب فأحرقه ( من ) في ساعته فهلك لحينه ، فبالنفس كانت حياته وبه كان هلاكه ، وهلاكه على الحقيقة بالنفس من كونه متنّفسا لا من كونه ذا نفس ، ولا من كونه متنّفسا فقط بل من كونه يجذب بالقوّة الجاذبة نفس الهواء البارد إلى قلبه ، ويخرج بالقوّة الدافعة النفس الحارّ المحرق من قلبه ، فسبب هذه الأحوال ، بها يكون حياته .
فإنّ الّذي يرمى في النار متنفس ولكن لا يخلو من أحد الوجهين : إمّا أنّه لا يتنفّس في النار فيكون حالته حالة المشنوق الّذي يخنق بالحبل ، فيقتله نفسه ، وإمّا أن يتنفّس فيجذب بالقوّة الجاذبة هواء ناريّا محرقا إذا وصل إلى قلبه أحرقه ، فلهذا قلنا في سبب الحياة هذه الأمور كلّها .
فعذاب إبليس في جهنّم بما فيها من الزمهرير ، فإنّه يقابل النّار الّذي هو أصل نشأة إبليس فيكون عذابه بالزمهرير ، وبما هو نار مركبة ، ففيه من ركن الهواء والماء والتّراب ، فلا بدّ أن يعذّب بالنّار على قدر مخصوص ، وعامّة عذابه بما يناقض ما هو الغالب عليه في أصل خلقه .
( الجهل عذاب بما أن الحسرة أيضا عذاب )
والنار ناران : نار حسيّة ، وهي المسلّطة على إحساسه وحيوانيته وظاهر جسمه وباطنه ، ونار معنويّة ، وهي « الّتي تطّلع على الأفئدة » ،