تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *
[ سورة آل عمران : 18 ] . ولمّا قال أهل الطّبيعة : إنّ ماء المرأة لا يتكوّن منه شيء ، وإن الجنين الكائن في الرّحم إنّما هو من الرّجل ، لذلك جعلنا تكوين جسم عيسى تكوينا آخر وإن كان تدبيره في الرّحم تدبير أجسام البنين ، فإن كان من ماء المرأة : « إذ تمثّل لها الرّوح بشرا سويا » « 24 » . أو كان عن نفخ بغير ماء ، فعلى كلّ وجه هو جسم رابع مغاير في النشء غيره من أجسام النّوع ، ولذلك قال تعالى : إنّ مثل عيسى ( ( أي ) إنّ صفة نشؤ عيسى ) عند اللّه كمثل آدم خلقه من تراب ( الضّمير يعود على آدم ، ووقع الشّبه في خلقه من غير أب ، أي صفة نشأه ( نشئه ) صفة نشأ آدم إلّا أن آدم خلقه من تراب ثمّ قال له : كن . ثمّ إنّ عيسى على ما قيل لم يلبث في بطن مريم لبث البنين المعتاد لأنّه أسرع إليه التكوين لمّا أراد اللّه أن يجعله آية ويرد به على الطبيعيين حيث حكموا على الطّبيعة بما أعطتهم من العادة ، لا بما تقتضيه ممّا أودع اللّه فيها من الأسرار والتكوينات العجيبة ، ولقد أنصف بعض حذّاق هذا الشّأن الطّبيعة فقال : لا نعلم منها إلّا ما أعطتنا خاصّة ، وفيها ما لا نعلم .

( العقل إنسان في السّماء كما إنّ الإنسان عقل في الأرض )

فهذا قد ذكرنا ابتداء الجسوم الإنسانيّة ، وأنّها أربعة أجسام ، مختلفة النشء ( النشأ ) كما قررنا ، وأنّه آخر المولّدات ، وهو ( فهو ) نظير العقل الأوّل ، وبه ارتبط ، لأنّ الوجود دائرة ، فكان ابتداء الدائرة وجود العقل الأوّل ( الّذي ورد في الخبر أنه أوّل ما خلق اللّه العقل ) « 25 » .
هامش
( 24 ) قوله : إذ تمثّل لها . . . إلخ . اقتباس من الآية القرآنيّة في سورة مريم الآية 17 :فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا. ( 25 ) قوله : الّذي ورد في الخبر أنّه : « أوّل ما خلق اللّه العقل » .