عليهم فإنّ كلّ هذه الآثار موادّ احتجاج الأنبياء على الخلق لينبّهوهم بصدورها عن العزيز الجبار عزّ سلطانه ، على انّه هو الملك المطلق الّذي له الخلق والأمر ، وليقرّروا في أذهانهم صورة ما نسوه من العهد المأخوذ عليهم في الفطرة الأصليّة من أنّه سبحانه هو الواحد الحقّ المتفرّد باستحقاق العبادة ، وإلى ذلك أشار القرآن الكريم :
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ
[ سورة الأنبياء : 32 ] .
وقوله :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[ سورة البقرة : 164 ] وقوله تعالى :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[ سورة الذّاريات : 47 - 49 ] .
إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على احتجاج الخالق سبحانه على خلقه بألسنة رسله وتراجمة وحيه ، وجذبهم بهذه الألطاف إلى القرب من ساحل عزّته والوصول إلى حضرة قدسه سبحانه وتعالى عمّا يشركون ،
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
[ سورة إبراهيم : 34 ] .
( في أنّ اللّه سبحانه لم يخل أمّة من بنيّ مرسل )
قوله : « ولم يخل اللّه سبحانه خلقه إلى قوله : وخلقت الأبناء » .
أقول : المقصود الإشارة إلى بيان عناية اللّه سبحانه بالخلق حيث لم يخل أمّة منهم من نبيّ مرسل يجذبهم إلى جناب عزّته كما قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
[ سورة فاطر : 24 ] .
أو ( و ) كتاب منزل يدعوهم إلى عبادته ويذكّرهم فيه منسيّ عهده ويتلى عليهم فيه أخبار الماضين والعبر اللاحقة للأوّلين ويحتجّ عليهم فيه بالحجج البالغة ، والدلائل