ممّا أعدّه لأوليائه الأبرار ، وتارة بالترهيب ممّا أعدّه لأعدائه الظالمين من عذاب النار ، وتارة بالتنفير عن خسائس هذه الدار ، وبيان وجوه الاستهانة بها والاستحقار ، وإلى ذلك أشار بقوله : « ويذكّروهم منسيّ نعمته » .
ولا بدّ للمجادلة والمخاطبة من احتجاج مقنع ومقحم فيحتجّوا عليهم بتبليغ رسالات ربّهم وإنذارهم لقاء يومهم الّذي يوعدون ، ويثيروا ( يشيروا ) لهم وجوه الأدلّة على وحدانيّة المبدع الأوّل ، وتفرّده باستحقاق العبادة ، وهو المراد بدفائن العقول وكنوزها ، واستعمال الدفائن هاهنا استعارة لطيفة فإنّه لمّا كانت جواهر العقول ونتائج الأفكار موجودة في النفوس بالقوّة أشبهت الدفائن ، فحسن استعارة لفظ الدفينة لها ، ولمّا كانت الأنبياء هم الأصل في استخراج تلك الجواهر لإعداد النفوس لإظهارها حسنت إضافة إثارتها إليهم ، وكذلك ليرشدهم إلى تحصيل مقدّمات تلك الأدلّة والبراهين وموادّها وهي آيات القدرة الإلهيّة وآثارها من سقف فوقهم محفوظ مرفوع مشتمل على بدائع الصنع وغرائب الحكم ، ومهاد تحتهم موضوع ، فيه ينتشرون وعليه يتصرفون ، ومعايش بها يكون قوام حياتهم الدنيا ، وبلاغا لمدّة بقائهم لما خلقوا له ، وآجال مقدّرة بها يكون فناؤهم ورجوعهم إلى بارئهم ، وأعظم بالأجل آية رادعة وتقديرا جاذبا إلى اللّه تعالى ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
أكثروا من ذكرها ذم اللّذات « 124 » .
إلى غير ذلك من الأمراض الّتي تضعف قواهم وتهرمهم ، والمصائب الّتي تتتابع
هامش
( 124 ) قوله : أكثروا ذكرها ذم .
رواه الصدوق في ( عيون أخبار الرضا ( ع ) ) بإسناده عن الإمام الرضا عليه السّلام عن رسول اللّه ( ص ) ، ج 2 ، ص 70 ، الحديث 325 ، وأخرجه أيضا ابن ماجة في سننه ج 2 ، باب ذكر الموت الحديث 4258 ، ص 1422 ، والحاكم في المستدرك ج 4 ، ص 321 ، والسيوطي في الجامع الصغير ج 1 ، ص 207 ، الحديث 1396 .
وروى القاضي النعمان في دعائم الإسلام ج 1 ، ص 221 ، بإسناده عن النّبي ( ص ) أنّه قال : أكثروا من ذكرها ذم اللّذات ، فقيل : يا رسول اللّه وما هاذم اللّذات ؟ قال : الموت ، فإنّ أكيس المؤمنين أكثرهم للموت ذكرا وأشدّهم له استعدادا .