أمّا المراد بقوله : فطر الخلائق بقدرته ، فاعتباره من حيث استناد المخلوقات إلى قدرته ووجودها ( عنها ) ، ولمّا كانت حقيقة الفطر الشقّ في الأجسام كانت نسبته هاهنا إلى الخلق استعارة .
وللإمام فخر الدّين الرّازي « 75 » في بيان الاستعادة في أمثال هذا الموضع بحث لطيف ، قال :
« وذلك أنّ المخلوق « 76 » قبل دخوله في الوجود كان معدوما محضا ، والعقل يتصوّر من العدم ظلمة متّصلة لا انفراج فيها ولا شقّ ، فإذا أخرجه الموجد المبدع من العدم إلى الوجود فكأنّه بحسب التخيّل والتوهّم شقّ ذلك العدم وفطره وأخرج ذلك الموجود منه » .
قلت : إلّا أنّ ذلك الشقّ والفطر على هذا التقدير لا يكون للموجود المخرج بل للعدم الّذي خرج هذا الموجود منه ، اللّهم إلّا على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه حتّى يكون التقدير الّذي فطر عدم الخلائق ، وهو استعمال شائع في العرف والعربيّة كثيرا ، وحسنه بين النّاس ظاهر ، ومثله :
هامش
( 75 ) قوله : فخر الدّين الرّازي .
الرّجل هو محمّد بن عمر بن حسين بن حسن بن علي ، المعروف بالإمام فخر الرّازي الخطيب ، ويقال له : ابن الخطيب الرّي أيضا ، وكان اشعريّ الكلام وشافعي الفقه .
له كتب كثيرة ، منها : مفاتيح الغيب المعروف بالتفسير الكبير ، ولد في مدينة ري في اليوم الخامس والعشرين من شهر المبارك رمضان سنة 544 أو سنة 543 ه ، وتوفّي في مدينة هرات في اليوم الاثنين ، الأوّل من شهر شوّال المكرّم ( يوم الفطر ) سنة 606 ه ودفن فيها .
( 76 ) قوله : قال : وذلك أنّ المخلوق .
ذكره الإمام فخر الدين الرّازي في تفسيره الكبير ج 13 ، ص 88 ، في سورة الأنعام الآية :( إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى )[ الأنعام : 95 ] .
مع تفاوت يسير في اللّفظ .