ولهذا خلق السّماوات والأرض في ستّة أيّام ، فإنّ الأيّام كانت موجودة بوجود حركة فلك البروج ، وهي الأيام المعروفة عندنا لا غير ، فما قال اللّه : خلق العرش والكرسيّ ، وإنّما قال :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ *
[ سورة يونس : 3 ] .
فإذا دار فلك البروج دورة واحدة فذلك هو اليوم الّذي خلق اللّه فيه السّماوات والأرض ، ثمّ أحدث اللّه اللّيل والنّهار عند وجود الشّمس لا الأيّام .
وأمّا ما يطرأ فيها من الزّيادة والنّقصان أعني في اللّيل والنّهار لا في السّاعات ، فإنّها أربع وعشرون ساعة ، وذلك لحلول الشّمس في منطقة البروج وهي حمائلية بالنّسبة إلينا فيها ميل ، فيطول النّهار إذا كانت الشّمس في المنازل العالية حيث كانت ، وإذا حلّت الشّمس في المنازل النازلة قصر النّهار حيث كانت ، وإنّما قلنا : حيث كانت ، فإنّه إذا طال الليل عندنا طال النّهار عند غيرنا ، فتكون الشّمس في المنازل العالية بالنّسبة إليهم وفي المنازل النازلة بالنّسبة إلينا ، فإذا قصر النّهار عندنا طال الليل عندهم لما ذكرناه ، واليوم هو اليوم بعينه أربع وعشرون ساعة لا يزيد ولا ينقص ولا يطول ولا يقصر في موضع الاعتدال فهذا هو حقيقة اليوم ، ثمّ قد سمّي النّهار وحده يوما بحكم الاصطلاح فافهم .
( جعل الزمان الّذي هو الليل والنهار )
وقد جعل اللّه هذا الزمان الّذي هو الليل والنّهار يوما ، والزّمان هو اليوم ، والليل والنهار موجودان في الزّمان ، جعلهما أبا وأمّا لما يحدث اللّه فيهما ، كما قال :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ *
[ سورة الأعراف : 54 ] .
كمثل قوله في آدم :
فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ
[ سورة الأعراف : 189 ] .
فإذا غشي اللّيل النّهار كان اللّيل أبا وكان النّهار أمّا ، وصار كلّ ما يحدث اللّه في النّهار بمنزلة الأولاد الّتي تلد المرأة ، وإذا غشي النّهار اللّيل ، كان النّهار أبا وكان اللّيل