تختصموا لديّ إلى آخره ، بمعنى أنه لا تختصموا لدي الآن فإنه لا ينفعكم وإني قد قدمت إليكم بالوعيد في الدنيا وبيّنت لكم الفساد والصلاح ، فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها .
وقوله : وإنّ ذلك لحق تخاصم أهل النار ، بمعنى أنّه إذا ظهر حال أهل النار على أهل النار ، وتحقّق أحوالهم وأفعالهم وعرفوا أنّهم من أهل النار فحق لهم أن يتخاصموا بعضهم مع بعض ويلعن بعضهم بعضا ، كالتابع للمتبوع ، والمتبوع للتابع ، والإمام للمأموم . وبالعكس ، كما قال تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ
[ سورة فصّلت : 29 ] .
وهذا البحث قريب إلى ما سبق أعني كل ذلك يكون بلسان الحال دون لسان المقال والحديث وحده .
( المراد من النظر إلى الرّبّ في يوم القيامة )
ومنها قوله :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
[ سورة القيامة : 32 ] .
وقوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[ سورة الأنعام : 103 ] .
فإن هذان القولان متناقضان بحسب الظاهر ، لأن قوله : إلى ربها ناظرة ، مراده إلى ثواب ربها أو إلى نعم ربّها ناظرة ، أو إلى جنة ربها ناظرة ، وهذا غير دال على أنه ينظر إلى اللّه بعين الباصرة ، لأن الباصرة إدراكها موقوف على شرائط ، منها التقابل وعدم البعد المفرط والقرب المفرط ، ورفع الموانع ، واللون وأمثال ذلك ، وجل جناب الحق عن مثل هذه النّقائص ، فحينئذ لا تدركه الأبصار أبدا ، والذي قال تعالى مخاطبا لموسى ( ع ) - وإن كان المراد به في الحقيقة الأمّة كما سنبيّنه - بقوله :
لَنْ تَرانِي
[ سورة الأعراف : 143 ] .
دال على عدم الرؤية بالبصر أبدا لأن لن لنفي الأبد ، فأبدا على هذا التقدير