رضى ، لأنّ إرادة الفسق فسق وإرادة القبيح قبيح سيّما من الحكيم الكامل ، ومعلوم أنّ قتل الأنبياء فسق والراضي به فاسق ، لقوله :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
[ سورة المائدة : 47 ] .
ومن جملة ما أنزل اللّه ، منع الكفّار عن قتل الأنبياء فلو حكموا به ما قتلوا أحدا منهم أصلا ولعدم رضائه بإضافة مثل هذا إليه ، قال :
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
[ سورة الأعراف : 28 ] .
والأشعريّة والمجبّرة وغيرهم لو عرفوا هذه المعاني وتحقّقوا هذه الأصول والمباني ، وظهر لهم أنّ المشيّة بمعنى العلم والعلم بمعنى المشيّة ، والإرادة خلاف المشيّة والمشيّة خلاف الإرادة ، والإرادة خلاف الأمر والأمر خلاف الإرادة ما نسبوا إليه تعالى جميع القبائح والفواحش بقولهم : الكلّ من عند اللّه وتقديره ومشيّته وإرادته متمسّكين بقوله :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ سورة النّساء : 78 ] .
لأنّ في قوله : قل كلّ من عند اللّه خبر راجع إلى ما سبق من القصّة ، ينبغي أن يعلم ذلك الخبر أوّلا ثم يحكم به ، والقصّة وهي أنّ أهل المدينة لمّا جاء إليهم نبيّنا ( ص ) من مكّة وحصل لهم في تلك السّنة القحط والغلاء ، قالوا للنبيّ ( ع ) :
إنّ هذا القحط والغلاء والعسر والبلاء الّتي حصلت لنا ، كانت من مجيئك إلينا وبشؤم قدمك علينا ، قال تعالى :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ سورة النّساء : 78 ] .
أي قل لهم هذا الّذي تقولون وتنسبون إليّ من القحط والغلاء وغير ذلك وهو من عند اللّه لا من عندي ولا من عند غيري لأنّ أفعاله الّتي تتعلّق به خاصة ، ما يقدر عليها أحد غيره ، والأرزاق ، والآجال ، والرّخص والغلاء ، والسعة والضيق من أفعاله تعالى وليس لأحد فيها مدخل ومن هذا أضاف الكلّ إلى نفسه ، لا بمعنى الّذي يضاف فعل العبد إلى نفسه ويقول :