وإذا تحقق هذا فنرجع إلى ما كنّا بصدده ونقول :
اعلم أنّ الشّيخ الأعظم محيي الدّين الأعرابي قدّس اللّه سرّه قد أشار إلى بحث المشيّة بإشارة شريفة وقد قال فيه ما قلناه مطابقا لما ذهبنا إليه ، نذكره هاهنا ونقطع هذا البحث عليه وهو قوله :
وبالكشفين معا ما يحكم علينا إلّا بنا ، لا بل نحن نحكم علينا بنا ولكن فيه ولذلك قال : فلله الحجّة البالغة ، يعني على المحجوبين إذ قالوا للحقّ لم فعلت بنا كذا وكذا ممّا لا يوافق أغراضهم فيكشف لهم غير مناف ، وهو الأمر الّذي كشفه العارفون هنا ويرون أنّ الحقّ ما فعل بهم ما ادّعوه أنّه فعله وأنّ ذلك منهم ، فإنّه ما عليهم إلّا على ما هم عليه فتندحض حجّتهم وتبقى الحجّة للّه البالغة .
فإن قلت : ما فائدة قوله فلو شاء لهداكم أجمعين قلت : لو شاء ، لو : حرف امتناع ، لامتناع ما شاء إلا ما هو الأمر عليه ولكن عين الممكن قابل للشّيء ونقيضه في حكم دليل العقل وأيّ الحكمين المعقولين وقع ، ذلك هو الّذي كان عليه الممكن في حال ثبوته ، ومعنى لهداكم ليبيّن لكم وما كلّ ممكن من العالم فتح اللّه عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو عليه فمنه العالم والجاهل ، فما شاء فما هديكم أجمعين ولا يشاء وكذلك إن يشاء فهل يشاء هذا ما لا يكون فمشيئته أحديّة التّعلّق وهي نسبة تابعة للقلم والعلم نسبة تابعة للمعلوم والمعلوم أنت
هامش
الفرد ، فمن تطلّع إليها فقد ضادّ اللّه عزّ وجلّ في حكمه ونازعه في سلطانه ، وكشف عن ستره وسرّه ، وباء بغضب من اللّه ومأواه جهنّم وبئس المصير .
وروى أيضا في التوحيد ص 365 الحديث 3 ، بإسناده عن عنترة الشيباني عن أبيه ، قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنين ، فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال ( ع ) : بحر عميق فلا تلجه ، قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال ( ع ) : طريق مظلم فلا تسلكه ، قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال ( ع ) : سرّ اللّه فلا تكلّفه قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، فقال أمير المؤمنين ( ع ) : أما إذا أبيت فإنّي سائلك ، أخبرني أكانت رحمة اللّه للعباد قبل أعمال العباد أم كانت أعمال العباد قبل رحمة اللّه ؟ قال : فقال له الرجل : بل كانت رحمة اللّه للعباد قبل أعمال العباد ، فقال أمير المؤمنين ( ع ) قوموا فسلّموا على أخيكم فقد أسلم وقد كان كافرا .
الحديث .
وأخرجه ابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين ( ع ) من تاريخ دمشق بسنده عن عبد اللّه بن جعفر ، قاله الخطيب في مصادر نهج البلاغة ج 4 ، ص 101 .