ينافي الغرض من التّكليف كما مرّ ، والحكيم الكامل لا يفعل فعلا ينافي غرضه ولهذا قال :
قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
[ سورة يونس : 108 ] .
ليتيقّنوا أنّ أمرهم في التّكليف إليهم لا إلى غيرهم ، وليسوا هم بمجبورين في أفعالهم وأعمالهم ، وبل يقوم كلّ واحد منهم بالتّكليف المأمور به على ما ينبغي ، ويرجو من اللّه تعالى بالطاعة ، الثّواب والجنّة ، وبالمعصية العقاب والجحيم ، لقوله :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى
[ سورة النجم : 39 - 40 ] .
( مشيّة الحقّ لا تنافي اختيار الخلق )
وإذا عرفت هذا فاعلم ، أنّ قيد الأحكام الإلهيّة بالمشيّة الأزليّة لم يمنعهم عن أفعالهم الاختياريّة ، لأن عند أرباب النّظر والمعقول وعند أهل الكشف والشّهود ، كثرة الإضافة والنّسبة ليست بقادحة في وحدة الذّات ولا كثرة الاعتبارات والأحكام في وحدة الحكم ، كما أنّ كثرة الإضافات الأسمائيّة والنّسب المعنويّة ليست بقادحة في وحدة ذات الحق ووجوده ، وكذلك تعلّقات العلم بالمعلوم فإنّها أيضا ليست بقادحة في حقيقة العلم ، والمراد أن مشيّة اللّه تعالى واحدة في جميع الصّور لقوله :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ
[ سورة القمر : 50 ] .
لكن لها تعلّقات وأحكام بحسب الإضافات ، والنّسب إلى المعلومات والمخلوقات هي المتكثرة لها والمتعدّدة لأحكامها ، لأنّ هذه المشيّة الواحدة لو أضفتها إلى الموجود جاز وإن أضفتها إلى المعدوم جاز ، وكذلك إلى الحقّ والباطل والممكن والواجب والممتنع والمستحيل وغير ذلك ، لأنّه لا يلزم من هذه الإضافات وتكثّرها وتعدّدها تغيّر في ذاتها وحقيقتها ، لأنّ نسبة الكلّ إليها واحدة ، والكل بالنّسبة إليها واحد ، والكثرة والاختلاف في الإضافات والنّسب ، لا في الذّات والحقيقة ،