هذا معالجته ما هو موافق ، وذاك الآخر خير منه ، فتختلف الآراء والأهواء بحسب الملائم وغير الملائم ، والّا مقصودهم واحد في نفس الأمر فافهم جدّا ، فإنّه مثال شريف دقيق ، وقس على هذا أطباء النّفوس مع الأمراض المعنويّة واختلافاتهم في القبول والمنع وميلهم إلى بعض الأنبياء دون البعض حتّى تعرف أيضا سرّ الاختلاف كما عرفت سرّ الاتّفاق ، وتلك الأمثال نضربها للنّاس وما يعقلها إلا العالمون .
( في معنى اختلاف أمتي رحمة )
وسيجيء بيان الضّوابط الكلّيّة الإلهيّة والقوانين الجمليّة الرّبانيّة في المقدّمة السّادسة من هذه المقدّمات عند بحث الشّريعة والطّريقة والحقيقة أكثر من ذلك مع بحث الأصول والفروع وترتيبها في المراتب الثّلاث ، واختلاف القرآن في الفروع عند التحقيق ، عين الاتّفاق في الأصول كما عرفته وستعرفه أيضا وكأنّ النبيّ ( ص ) نظرا إلى هذا المعنى قال :
اختلاف أمّتي رحمة « 95 » .
وتقديره : أي اختلاف أمّتي في القرآن من حيث استخراج المعاني والحقائق ، واستنباط اللطائف والدّقائق ، وتطابق المتشابهات بالمحكمات ، ورجوع التّفسير إلى التّأويل ، والتّأويل إلى التّحقيق بالنّسبة إلى كلّ زمان مشخّص وإلى كلّ رأي واعتقاد ، رحمة نازلة من اللّه فيهم لقوله :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
( بإنزال القرآن عليكم )
ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
[ سورة النور : 21 ] .
أي ما زكّى أحد منكم من نقصه وجهله ورذيلته وخسّته الغالبة على نفسه ،
هامش
( 95 ) قوله : نظرا إلى هذا المعنى قال : اختلاف امّتي رحمة .
رواه ابن أبي جمهور في عوالي اللئالي ج 1 ، ص 286 ، الحديث 137 . والصدوق ( رض ) في معاني الأخبار ص 157 ، باب معنى قوله ( ع ) : اختلاف أمّتي رحمة الحديث 1 .
وأخرجه أيضا السيوطي في الجامع الصغير ج 1 ، ص 48 ، الحديث 288 .