والإيمان لا يجتمعان أصلا فلم يبق إلا الشرك الخفي الذي يجتمع مع الإسلام والإيمان ، بحكم قوله تعالى : وقول نبيه ثم أكد ذلك القول بأبلغ منه وقال :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
[ سورة الكهف : 110 ] .
والمراد به الشرك الخفي لأنه لو كان الشرك الجلّي لكان يقول : ولا يشرك بربه أحدا ، فحيث ما قال هذا وقال : بعبادة ربه ، عرفنا أن المراد به الشرك الخفي لأن المشرك بالشرك الجلّي ليس له عبادة ولا طاعة ، كما هو مقرر في الأصول حتى يكون صالحا وغير صالح .
وبحث الشرك الجلي والخفي والتوحيد الألوهي والوجودي والإسلام المجازي والحقيقي سيجيء في موضعه مستوفى إن شاء اللّه .
وإذا عرفت حقيقة التقوى فنرجع إلى الغرض ونقول : اعلم أنه لو لم يكن مشاهدة الحق في مظاهره الآفاقيّة والأنفسية المسمّاة بالكلمات والآيات موقوفة على التقوى ما قيّد هداية كتابه بالمتقين دون غيرهم في قوله :
ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ سورة البقرة : 3 ] .
لأن كتابه في الحقيقة ليس إلّا هدى للعالمين ، فتقييده بالمتّقين لا بدّ له من فائدة وحكمة وإلّا كان عبثا ، والعبث على اللّه تعالى محال وتلك الفائدة ليست إلا الهداية المذكورة المخصوصة بالمتّقين من أرباب التوحيد كما تعرفه وستعرفه ، وبناء على هذا المكان يحتاج إلى تحقيق ثلاثة أشياء أوّلها الكتاب وقد سبق تحقيقه ، وثانيها إلى التقوى وقد عرفت معناها ، وثالثها إلى الهداية وقد تكلمنا فيها إجمالا . وأمّا التفصيل :
( في بيان الهداية ومراتبها ومعانيها )
فاعلم ، أن فيها أقوال :
فقول أهل الظاهر ، وهو أنّهم قالوا هداية اللّه تعالى للإنسان على أربعة أوجه :
الأوّل : الهداية التي عمّ بجنسها كل مكلّف من العقل ، والفطنة ، وإراحة