وأما الغرض من المقدمة الثانية التي في بيان الكتاب الآفاقي وتطبيقه بالكتاب القرآني
( في أنّ العالم المعبّر عنه بالآفاق مصحف ربّاني ) فهو أن يتحقق عندك وعند غيرك أيضا ، أن العالم المعبّر عنه بالآفاق كلّه كتاب إلهي ومصحف ربّاني مشتمل على الآيات والكلمات والحروف ، لأن البسائط والمفردات منه كالحروف البسيطة المفردة من القرآن ، والمركبات منه من المواليد وأمثالهما كالكلمات الممكنة من القرآن ، والكليات منه كالأفلاك والأجرام ، والعلويات والسفليات مطلقا كالآيات من القرآن لأن القرآن صورة إجماله وتفصيله وشهد بصحة الآيات الآفاقية الممكنة من الكلمات والحروف المذكورة في قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
[ سورة الرعد : 2 ] .
لأن الآيات لا تكون مركبّة إلا من الكلمات ، ولا الكلمات إلا من الحروف ، وشهد أيضا بأن لقاء اللّه والوصول إليه موقوف على مطابقة آياته وكلماته في ضمن كتابه الآفاقي بموازنة كتابه القرآني ، وقوله أيضا :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ، أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
[ سورة فصّلت : 53 - 54 ] .
شاهد على صدق هذه الدعوى أي على صدق هذين المعنيين أعني على أن العالم صدق على كتابه الكريم ومصحفه المجيد ، وعلى أن مشاهدة الكتاب موقوفة على مطالعته ومطالعة آياته وكلماته .
أما الأول فلأن الآية لا تنسب إلا إلى الكتاب ، وقد نسب الحق تعالى الآية إلى الآفاق ، فعرفنا أنه الكتاب ، لأن الآية عبارة عن الهيئة الجامعة المركبة من