قال : فالظاهر أن الآية محكمة ، نزلت في أمور الدنيا « 1 » اه .
وأقول مستعينا باللّه عزّ وجلّ : إن الآية محكمة على كل حال « 2 » .
قول مكّي : إن نسخها إنما يجوز على قول من قال : ( ما يفعل بي ولا بكم ) في الآخرة دون الدنيا لأن اللّه قد أعلمه أنه مغفور له في الآخرة « 3 » فليس بمنسوخة ، وإن كان اللّه عزّ وجلّ قد أعلمه بذلك ، لأن المعنى : إني لا أعلم من الأمور شيئا إلّا ما أعلمني به اللّه عزّ وجلّ يدلّ « 4 » على ذلك قوله عزّ وجلّ :
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
« 5 » وليس لي من علم الغيب شيء ، لأنهم كانوا يسألونه عن المغيبات ، فأمر بأن يقول ما أنا ببدع من الرسل ، خارج عما كانوا عليه ، إذ كانوا ( إنّما ) « 6 » يفوهون بما يوحى إليهم ، ولا يخبرون بغير ذلك ،
قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
، فإعلامه بعد ذلك بما يكون منه في الآخرة ، لا يكون ناسخا لهذا .
وأما قول هبة اللّه : فقال المشركون ، وقال المؤمنون : فما يكون منا ؟ فأنزل اللّه عزّ وجلّ كذا وكذا ، إلى آخر ما ذكره ( فكلامهم ) « 7 » غير مستقيم .
أما ما ذكره عن المؤمنين وما أنزل فيهم ( على ) « 8 » قوله عزّ وجلّ :
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
هامش
( 1 ) انظر نص كلام مكي في الإيضاح ( ص 411 ، 412 ) ونحوه في الناسخ والمنسوخ للنحاس ( ص 257 ) وتفسير الطبري ( 26 / 8 ) وقد رجح هذا القول وصححه كل من الإمام الطبري والنحاس في المصدرين السابقين . وابن الجوزي في نواسخ القرآن ( ص 464 ) وابن كثير في تفسيره ( 4 / 155 ) والقرطبي كذلك ( 16 / 186 ) .
( 2 ) وهذا هو الصحيح - إن شاء اللّه - كما سبق .
فقد أعلم اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ولا يصح أن يتطرق الشك في هذا ، لأن اللّه تعالى أعلمه في كتابه العزيز أن أولياءه في أمن واطمئنان لا يصيبهم الخوف والحزن كما يصيب غيرهم ، قال تعالى :أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . . .الآيات ( 62 - 64 ) من سورة يونس .
وهو صلّى اللّه عليه وسلّم أرفع درجة من الأولياء بل وسيد الأنبياء عليهم السلام ، راجع كلام الأستاذ سامي عطا حسن في تحقيقه لكتاب قلائد المرجان للكرمي ( ص 190 ) .
( 3 ) إلى هنا ينتهي كلام مكي ويبدأ رد المصنف ومناقشته له .
( 4 ) في ظ : ويدل على ذلك .
( 5 ) سبق قريبا عزوها ، وسيذكر المصنف قريبا أيضا نص الآية من أولها .
( 6 ) في بقية النسخ : إذا كانوا إنما يفوهون . . . الخ .
( 7 ) هكذا في الأصل : ( فكلامهم ) وفي بقية النسخ : فكلام ، وهو الصواب .
( 8 ) هكذا في الأصل : ( على ) خطأ ، وفي بقية النسخ ( من ) ، وهو الصواب .