ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ
« 1 » ، وليس هذا بنسخ ، وفيه بيان كون الأمر بالكتابة والإشهاد ليس « 2 » على الوجوب « 3 » .
وذهب ابن عمر وابن عباس وأبو موسى الأشعري وجابر بن زيد وابن سيرين والضحاك وأبو قلابة وعطاء والشعبي وداود إلى وجوب الكتاب « 4 » والإشهاد ، وأوجبوا على رب الدّين أن يكتب وأن يشهد إذا قدر على ذلك .
قالوا : وأما قوله عزّ وجلّ
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
، فإنما ذلك عند عدم القدرة على الكتابة والإشهاد ، إذا عفا عن الرهن أو لم يجده « 5 » .
وقال الشعبي وعطاء : أشهد إذا بعت « 6 » واشتريت بدرهم أو بنصف درهم أو بثلث درهم « 7 » ، وبهذا يقول الطبري ، وعلى الجملة فالآية محكمة على كل حال « 8 » .
23 - ومن ذلك قولهم في قوله عزّ وجلّ
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ
هامش
( 1 ) البقرة : ( 283 ) .
( 2 ) في بقية النسخ : وليس .
( 3 ) وحمله على التخيير والإرشاد والندب هو قول أكثر أهل العلم .
انظر الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص 348 ، والإيضاح ص 196 .
( 4 ) في د وظ : الكتابة .
( 5 ) انظر : الإيضاح ص 198 ، وراجع الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 101 .
( 6 ) في بقية النسخ : أو اشتريت .
( 7 ) رواه أبو عبيد بنحوه عن عطاء وإبراهيم النخعي . انظر الناسخ والمنسوخ ص 344 ، 346 ، 347 .
وروى أبو عبيد أيضا عن الشعبي والحسن التخيير في ذلك . المصدر نفسه ، وراجع الناسخ والمنسوخ لابن سلامة ص 97 ، وقلائد المرجان ص 75 .
( 8 ) وهذا هو الظاهر ، لأنه لا تعارض بين الآيتين ، فالآية الأولى تأمر بالكتابة والإشهاد عند التبايع - بغض النظر عن الخلاف في الوجوب وعدمه كما سبق - فإن كان ندبا فلا تعارض ، ويكون الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن من باب الندب والإرشاد ، فإذا أمن كل من البائع والمشتري الآخر ، ولم يكتبا ولم يشهدا فليس عليهما حرج ، وما جعل اللّه علينا في الدين من حرج ، وأما إن كان على سبيل الإلزام والفرض فأيضا ليس هناك تعارض ، فإن الآية تنص على الرخصة في عدم الكتابة عند عدم وجود الكاتب .
وقد قال بعدم النسخ ابن جرير الطبري ووافقه النحاس وابن الجوزي غير أنهما يخالفانه في وجوب الكتابة والإشهاد ، ويحملان ذلك على الندب ، وهو ما صوبه مكي - كما سبق - وهو كذلك ما يفهم من كلام السخاوي المتقدم .
يقول الإمام الطبري : - بعد أن ذكر قول الذين قالوا بالنسخ ورجح أن الأمر للوجوب - ولا وجه