سورة الانشراح
[ 1203 ] فإن قيل : أيّ فائدة في زيادة ذكر لك وعنك والكلام تام بدونهما ؟
قلنا : فائدته الإبهام ثم الإيضاح ، وهو نوع من أنواع البلاغة ، فلمّا قال تعالى :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ
[ الشرح : 1 ] فهم أن ثم مشروحا له ثم قال :
صَدْرَكَ
[ الشرح : 1 ] فأوضح ما علم مبهما بلفظ لك ، وكذا الكلام في
وَوَضَعْنا عَنْكَ
[ الشرح : 2 ] .
[ 1204 ] فإن قيل : قال تعالى :
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
[ الشرح : 5 ] وكلمة مع للمصاحبة والقران ، فما معنى اقتران العسر واليسر ؟
قلنا : سبب نزول هذه الآية أن المشركين عيروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه رضي اللّه عنهم بالفقر والضائقة التي كانوا فيها ، فوعدهم اللّه تعالى يسرا قريبا من زمان عسرهم ؛ وأراد تأكيد الوعد لتسليتهم وتقوية قلوبهم ، فجعل اليسر الموعود كالمقارن للعسر في سرعة مجيئه .
[ 1205 ] فإن قيل : ما معنى قول ابن عمر وابن عباس رضي اللّه عنهم وابن مسعود رضي اللّه عنه : لن يغلب عسر يسرين ، ويروى ذلك عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أيضا ؟
قلنا : هذا عمل على الظّاهر وبناء على قوة الرّجاء ، وإن وعد اللّه لا يحمل إلا على أحسن ما يحتمله اللفظ وأكمله ، وأما حقيقة القول فيه فهو أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تأكيدا للأولى ، كما في قوله تعالى :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
[ المرسلات :
49 ] وما أشبهه ، وكما في قولك : جاءني رجل جاءني رجل ؛ وأنت تعني واحدا في الجملتين ، فعلى هذا يتحد العسر واليسر ، أو يكون تعريف العسر لأنه حاضر معهود ، وتنكير اليسر لأنه غائب مفقود ؛ وللتفخيم والتعظيم . ويحتمل أن تكون الجملة الثانية وعدا مستأنفا فيتعدد اليسر حينئذ على ما قيل ، ويؤيد أن الجملة الثانية للتأكيد أنه ليس في مصحف عبد اللّه بن مسعود إلا مرة واحدة .
[ 1206 ] فإن قيل : وإذا ثبت في قراءته غير مكرر ، فكيف قال : والذي نفسي بيده لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه ، إنه لن يغلب عسر يسرين ؟
قلنا : كأنه نزل ما فيه من التفخيم والتعظيم بالتنكير منزلة التثنية ؛ لأن المعنى يسرا وأي يسر ، وأما من فسره بيسرين فإنه قال : أحد اليسرين ما تيسر من الفتوح في