سورة التغابن
[ 1101 ] فإن قيل : كيف قال تعالى :
فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
[ التغابن : 2 ] قدم الكافر في الذكر ؟
قلنا : الواو لا تعطي رتبة ولا تقتضي ترتيبا كما قال تعالى :
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
[ هود : 105 ] وقال تعالى :
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ
[ الحشر :
20 ] وقال سبحانه :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
[ فاطر :
32 ] وقال تعالى :
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
[ الشورى : 49 ] وقد ذكرنا في الآية الأخيرة معنى آخر في موضعها .
[ 1102 ] فإن قيل : قوله تعالى :
وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ
[ التغابن : 6 ] ، يوهم وجود التولي والاستغناء معا بعد مجىء رسلهم إليهم ؛ واللّه تعالى لم يزل غنيا ؟
قلنا : معناه وظهر استغناء اللّه تعالى عن إيمانهم وعبادتهم ؛ حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ولم يضطرهم إليه ؛ مع قدرته تعالى على ذلك .
[ 1103 ] فإن قيل : كيف قال تعالى :
وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ
[ التغابن : 11 ] مع أن الهداية سابقة على الإيمان ، لأنه لولا سبق الهداية لما وجد الإيمان ؟
قلنا : ليس المراد يهد قلبه للإيمان ، بل المراد يهد قلبه لليقين عند نزول المصائب ، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه .
الثاني : يهد قلبه للرضا والتسليم عند نزول المصائب .
الثالث : يهد قلبه للاسترجاع عند نزول المصائب ، وهو أن يقول :
« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »
.
الرابع : يهد قلبه ، أي يجعله ممن إذا ابتلي صبر ، وإذا أنعم عليه شكر ، وإذا ظلم غفر .
الخامس : يهد قلبه لاتّباع السنة إذا صح إيمانه ، وقرئ يهدأ بفتح الدال وبالهمز من الهدوّ وهو السكون ، فمعناه : ومن يؤمن باللّه إيمانا خالصا يسكن قلبه ويطمئن عند نزول المصائب والمحن ولا يجزع ويقلق .