تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
الثاني : أن المراد بالكل هنا البعض ، كما في قوله تعالى :
ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً
[ البقرة : 260 ] وقوله تعالى :
وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ
[ يونس : 22 ] وقوله تعالى :
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
[ النمل : 23 ] وقوله تعالى :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
[ الإسراء : 13 ] وقول لبيد الشاعر :
ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل * وكلّ نعيم لا محالة زائل
وكثير من الأشياء غير اللّه تعالى حقّ ، كالنبي عليه الصلاة والسلام والإيمان والجنة وغير ذلك ، وكذلك نعيم الجنة والآخرة ليس بزائل ، ولبيد صادق في هذا البيت لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد » :
ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل
إلى آخره . [ 473 ] فإن قيل : ما فائدة تخصيص هذه السورة بقوله تعالى :
وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ
[ هود : 120 ] مع أنّ الحق جاء في كل سور القرآن ؟ قلنا : قالوا فائدة تخصيص هذه السورة بذلك زيادة تشريفها وتفصيلها مع مشاركة غيرها إياها في ذلك كما في قوله تعالى :
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ
[ الجن : 18 ] وقوله تعالى :
وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة : 98 ] بعد قوله :
وَمَلائِكَتِهِ
[ البقرة : 98 ] وقوله تعالى :
وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
[ البقرة : 238 ] بعد قوله :
الصَّلَواتِ
[ البقرة : 238 ] ووجه المشابهة بينهما أنه حمل قوله تعالى :
وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة : 98 ] على التشريف والتفضيل عند تعذر حمله على تعليق العداوة به لئلّا يلزم تحصيل الحاصل ، وكذا في المثال الأخير تعذر حمله على إيجاب المحافظة لما قلنا ، وهنا تعذر حمله على حقيقته وهو الجنس بأن حقيقته انحصار كل حقّ في هذه السورة وهو منتف ، أو حمل الحق على معهود سابق وهو منتف ، وحمله على بعض الحق يلزم منه وصف هذه السورة بوصف مشترك بينها وبين كل السور ، وأنه لا يحسن كما لو قال : وجاءك في هذه الحق آيات اللّه أو كلام اللّه أو كلام معجز ، فجعل مجازا عن التفضيل والتشريف . وقيل : الإشارة بهذه إلى الدنيا لا إلى السورة ، والجمهور على القول الأول . ولا يقال إنما خصت هذه السورة بذلك ؛ لأن فيها الأمر بالاستقامة بقوله تعالى :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
[ هود : 112 ] والاستقامة من أعلى المقامات عند العارفين ، لأنا نقول الأمر بالاستقامة جاء أيضا في سورة حمعسق قال اللّه تعالى
وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
[ الشورى : 15 ] ولا يصلح هذا علة للتخصيص ، واللّه أعلم .
اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل — صفحة 135 | محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي