تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
ونجاهم وهو السفينة ، ويناسب هذا الوجه قوله تعالى :
* وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
[ هود : 41 ] وهذا لأن ابن نوح عليه السلام لما جعل الجبل عاصما من الماء رد نوح عليه السلام ذلك ، ودله على العاصم وهو اللّه تعالى ، أو المكان الذي أمر اللّه بالالتجاء إليه وهو السفينة . [ 451 ] فإن قيل : كيف صح أمر السماء والأرض بقوله تعالى :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
[ هود : 44 ] وهما لا يعقلان ، والأمر والنهي إنما يكون لمن يعقل ويفهم الخطاب ؟ قلنا : الخطاب لهما في الصورة ، والمراد به الخطاب للملائكة الموكلين بتدبيرهما . الثاني : أن هذا أمر إيجاب لا أمر إيجاد ، وأمر الإيجاد لا يشترط فيه العقل والفهم ، لأن الأشياء كلها بالنسبة إلى أمر الإيجاد مطيعة منقادة للّه تعالى ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ النحل : 40 ] وقوله تعالى :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
[ فصلت : 11 ] كل ذلك أمر إيجاد . [ 452 ] فإن قيل : كيف قال تعالى هنا
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ
[ هود : 45 ] بالفاء ، وقال في قصة زكريا عليه الصلاة والسلام :
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ
[ مريم : 3 ، 4 ] . قلنا : أراد بالنداء هنا إرادة النداء فجاء بالفاء الدالة على السببية ، فإن إرادة النداء سبب للنداء ، فكأنه قال : وأراد نوح نداء ربه فقال كيت وكيت ، وأراد به في قصة زكريا عليه الصلاة والسلام حقيقة النداء ، فلهذا جاء بغير فاء لعدم ما يقتضي السببية . [ 453 ] فإن قيل : هود عليه الصلاة والسلام كان رسولا ولم يظهر معجزة : ولهذا قال له قومه
يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ
[ هود : 53 ] فبأي شيء لزمتهم رسالته ؟ قلنا : إنما يحتاج إلى المعجزة من الرسل من يكون صاحب شريعة لتنقاد أمته لشريعته ، فإن في كل شريعة أحكاما غير معقولة فيحتاج الرسول الآتي بها إلى معجزة لتشهد بصحة صدقه ، فأما الرسول الذي لا تكون له شريعة ولا يأمر إلا بالعقليات فلا يحتاج إلى معجزة ؛ لأن الناس ينقادون إلى ما يأمرهم به لموافقته للعقل ، وهود كان كذلك . الثاني : أنه نقل أن معجزة هود كانت الريح الصرصر فإنها كانت سخرت له . [ 454 ] فإن قيل : على الوجه الأول لو كان أمره لهم مقصورا على العقليات لما خالفوه وكذبوه ونسبوه إلى الجنون بقولهم :
يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ
[ هود : 53 ] إلى قوله :
بِسُوءٍ
[ هود : 54 ] . قلنا : إنما صدر ذلك القول من قاصري العقول أو المعاندين المكابرين ، كما