قوله تعالى :
وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً
( 21 ) : أخبر اللّه سبحانه عن سقيه أرواح أوليائه في الأزل شراب بحار رؤية أنوار القدم ؛ حيث ظهر جلال ذاته وصفاته لها ، وذلك الشراب لظهور طهوريته تجلّي قدس ذاته الذي ظهر تلك الأرواح من شرب الامتحان والقهر والحرمان ، لا تتدنس أوقاتها بشيء من الحدثان بعد شربها أشربة أفانين أنوار الصفات ، فتلك الكائنات المروقات عن علل الحجاب والعتاب ، دارت عليها في الدنيا حتى يرجع إلى معادنها من الغيب ، ففي كل لمحة لهم شراب الوصال والكشف والجمال لا مقطوعة ولا ممنوعة ، ولتلك الأشربة آثار السكر في وجودهم من هجوم المواجيد عليهم حين سلبتهم جذبات واردات الغيب عن رؤية الأكوان الحدثان ، سكرت أرواحهم بشراب رؤية القدم ، وسكرت أسرارهم بشراب رؤية البقاء ، وسكرت عقولهم برؤية نور الصفات ، وسكرت قلوبهم بشراب رؤية الذات ، وسكرت نفوسهم بشراب المداناة في الخلوات والمناجاة ، ففي كل حال لهم من ذلك الشراب وقت ، ووجد ، وشوق ، وعشق ، وهيمان ، ووله ، وهيجان ، ليس لهم في الكون سؤل غير هذا الشراب ، ولا لهم منى غير هذا الوصال ، به داوى جروح قلوبهم من آلام المحبة لا بشيء دونه .
تداويت من ليلى بليلى من الهوى * كما يتداوى شارب الخمر بالخمر
قال بعضهم : إن للّه شرابا صافيا طاهرا شهيا نقيّا ، ذخرها في كنوز ربوبيته لأوليائه وأصفيائه ، يفجّر لهم من ينبوع المعرفة في أنهار المعرفة ، فسقاهم ربهم بكأس المحبة شرابا طهورا ، فإذا شربوا بقلوبهم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللّه ، سقاهم ذلك في الدنيا في ميدان ذكره بكأس محبته على منابر السنة بمخاطبة الإيمان ، وسقاهم في الآخرة في ميدان قربه بكأس رؤيته على منابر النور ، بمخاطبته العيان .
قال سهل : فرّق اللّه بهذه اللفظة بين الطهور والطاهر ، وبين خمور الجنة وخمور الدنيا ؛ فإن خمور الدنيا نجسة تنجّس ساحبها وشاربها بالآثام ، وخمور الجنة طهور يطهّر شاربها من كل دنس ، ويصلحه لمجالس القدس ، ومشهد العزة .
قال جعفر : سقاهم التوحيد في السر ، فتاهوا عن جميع ما سواه ، فلم يفيقوا إلا عند المعاينة ، ورفع الحجاب فيما بينهم وبينه ، وأخذ الشراب ، ففي أخذه عنه لم يبق عليه منة باقية ، وحصله في ميدان الحصول والقبضة .