قوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
: حقيقة إشارته أنه تعالى عرّف لهم الطريق ، فمن بقي في الطريق ولم يصل إليه فمنعه لم يبلغ ، ومن وصل إليه فيجد به بلغ إليه ، فمن بلغ يكون بمعرفته شاكرا له ، ومن لم يبلغ إليه فيجد ؛ لأنه يكون كافرا به ، إذ لم يذق طعم الوصال ، ولم ير نور مشاهدة الجمال ، مهّد الطريق ، ونصّب الأعلام ، وأوضح المنار والأدلة ، ودعاهم به إلى نفسه ، فمن واصل يسكن بما وجد به وهو شاكر ، ومن واصل لم يسكن بما وجد ، ويكون معربدا بطلب مزيد الدنوّ ، وفي كل ما وجد لم يكن راضيا حتى وصل إلى غيبوبة الغيب ، ويشرب من أنهار صرف الصفات والذات ، فيخرج متحدا يدّعي الربوبية ، ويكون كافرا الحقيقة .
قال سهل : بيّنّا له طريق الخير من طريق الشر ، إما أن يكون شاكرا طائعا ، فمستقره الجنة ، وإما أن يكون كفورا جاحدا ، فمأواه النار .
[ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 5 إلى 20 ]
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ( 5 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ( 6 ) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ( 7 ) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( 8 ) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 )
إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ( 10 ) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ( 11 ) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ( 12 ) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ( 13 ) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً ( 14 )
وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا ( 15 ) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً ( 16 ) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً ( 17 ) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ( 18 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ( 19 )
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ( 20 )
قوله تعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً
( 5 ) :
وصف اللّه سبحانه أوساط أهل المعرفة من أهل السلوك أنهم يشربون شرابا من كاسات قربه ، يكون مزاجها كافور المعرفة مع شراب المشاهدة ، لم يكن لهم شرابا صرفا من المعرفة ؛ لأنهم يبقون في سكر المشاهدة ، يغيبون عن مطالعة الحقيقة بعيون المعرفة ، فأول شربهم صحو ، وآخر شربهم سكر ، ولم يكن كذلك العارفون ، فإنهم يشربون صرف شراب المشاهدة المنعوت بالمعرفة مع الصحو من أول شربهم إلى آخر شربهم ؛ حتى لا يحتجبوا عن رؤية غرائب تجلي