تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
[ سورة الحج ( 22 ) : آية 36 ] وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 36 )

[ تفسير الآية 30 ]

قوله تعالى :
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ
حرماته مقام الاتصاف والاتحاد ؛ فمن اتصف بصفاته ، وتوحد بتوحيد ذاته يقع في بحر الربوبية ، ويستغرق في لجج الديمومية ، وينكشف له أسرار السرمدية والأزلية ، ويسكر بشربات وشراب المشاهدة ، ويقتضي هذه أحوال له دعوى الأنائية من حلاوة مباشرة أنوار الأزلية بنعت التجلي والوصلة ؛ فمن كان هناك محفوظا بقي على نعت العبودية ، ولا يخفى على حرمات الحقيقة ؛ فهو خير له بأن يزيد حاله من اللّه سبحانه ، ويكون إماما في الصحو والتمكين مثل الخلفاء والنجباء يقتدي به سلاك الطريقة وملوك الحقيقة ، ومن خرج برسوم أهل السكر ، ويدع الأنائية يكون محترقا بنيران الغيرة ، مصلوبا على باب الهيبة والكبرياء والسلطنة ، وأيضا من شاهد مشاهدة الحق بنعت الانفراد عن الحدثان خالصا عن الجنان متبرئا من حظوظه التي يطمع فيها عند مشاهدة الرحمن ، فهو من أهل الحرمة في القربة ، ومن كان حبه لحظه ؛ فهو غير محترم في مقام الحرمة ، يا غافل الحرمة في العبودية تقتضي قرب الربوبية والحرمة في الربوبية يسقط علل الحدوثية . قال الواسطي : من تعظيم حرمة اللّه ألا تلاحظ شيئا من كونه ، ولا من طوارق محنته ، ولا تلاحظ خليلا ولا كليما ولا حبيبا ، ما دام تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا . وقال فارس : حرمات اللّه صفاته ، ومن تهاون بحرمات الأمر والنهي ؛ فقد تهاون بالذات ، وهو نفس النفاق . قال ابن عطاء : الحرمة ثلاثة أوجه ؛ أولها : القطع من الموافقة ، ثم القطع من لذة المشاهدة ، وقال بعضهم : رؤية الأفعال وطالب الأعواض .

[ تفسير الآية 32 ]

ثم ذكر سبحانه بعد ذلك مقام حرماته ، وبيّن أن من عظم أمره ؛ فقد عظم جلاله وعظمته بقوله :
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ( 32 )
بيّن أن تعظيم اللّه تعظيم شعائره يصدر من قلوب المتقين الذين هم في مشاهدة عظمة اللّه وجلاله وكبريائه في احتشامه وهيبته ، وتقوى القلوب هو الاجتناب عن سوء الأدب في العبودية والخجل والحياة في مشاهدة الربوبية . قال سهل : تقوى القلوب هو ترك الذنوب ، وكل شيء يقع عليه اسم الذم . قال الجنيد : من تعظيم شعائر اللّه التوكل والتفويض والتسليم ؛ فإنها من شعائر الحق في أسرار أوليائه ، فإذا عظمته وعظمت حرمته زين اللّه ظاهره بفنون الآداب .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 538 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )