قال الجنيد : أهل الذكر العالمون بحقائق العلوم ومجاري الأمور ، والناظرون إلى الأحكام بأعين الغيب .
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 10 إلى 17 ]
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 10 ) وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ ( 11 ) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ ( 12 ) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ ( 13 ) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 14 )
فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ ( 15 ) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 16 ) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ ( 17 )
[ تفسير الآية 10 ]
قوله تعالى :
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ
« 1 » أي : ذكر مناقبكم من حيث الأرواح القدسية والأشباح الإنسية والعقول الملكوتية والأسرار الجبروتية والنفوس الهوائية ، وهذه المراتب الجامعة لا تحصل إلا لادم وذريته ، وفيه بيان خبر الأزل بكرامتكم وخيريتكم على البرية ، أين أنتم من معرفة نفوسكم لا تعقلون شرف نسبتكم في معرفتي ووصولكم إلىّ بعنايتي الأزلية .
قال سهل : العمل بما فيه حياتكم .
قال الأستاذ : أي : شرفكم وفخركم ؛ فمن استبصر بما فيه من النور سعد في الدنيا والآخرة .
[ تفسير الآية 11 ]
قوله تعالى :
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ
كم قلب خرب عمران بنور ذكر اللّه بظلم الطبيعة ومباشرة الشهوة والدعاوي الباطلة ، والنظر إلى الأغيار ، وصار محجوبا بها عن مشاهدة الأنوار وحقائق الأسرار .
وقال أبو بكر الوراق : في ظلم خراب العمران كما قال عليه السلام : « الظلم ظلمات يوم القيامة » « 2 » .
إذا أظلم القلب عن المعرفة والإخلاص خرب ، وعلامة خراب القلب عصيان الجوارح وتعديها وميلها إلى ما فيه هلاكها ، ولذلك قال اللّه تعالى :
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ
هامش
( 1 ) أي : طوال الدهر بالخير إن أطعتم ، والشر إن عصيتم ، وبه شرفكم على سائر الأمم بشرف ما فيه من مكارم الأخلاق التي كنتم تتفاخرون بها وبشرف نبيكم الذي تقولون عليه الأباطيل ، وتكثرون فيه القال والقيل . نظم الدرر ( 5 / 290 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 2315 ) ، ومسلم ( 2578 ) .