تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
فيه إلى الأجسام والهياكل ؛ لأن الأرواح من عالم الملكوت ، ولولا أنها سترها الحق بقوالب ترابية لملأت الأكوان والحدثان من روح واحدة ولاحترق الجميع في أنوارها ، وإن اللّه سبحانه صوع « 1 » من إكسير الأشباح لمعادن الأفراح ، ورباها بنظام تجلي جماله وجلاله بقوله :
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها
[ الزمر : 39 ] فلما حملت الأرواح في ميادين العبودية حتى طارت منها الأرواح إلى عالم الربوبية بقيت السبائك في معادنها الزوائد تربية ربها ، فلما تمت التربية لها من نور فعل الحق صارت الهياكل والأرواح على نعوت الروحانية ، ولا تقوم الأرض بحملها بعد ذلك ، ويكون موضعها عالم الغيب التراب يا عاقل هو معادن نور الفعل ، ومصدر خاصية القبضة الجبروتية ، ما أشرف هذه الطينة حيث تخمرت بقبضة الأزل والأبد كان معدنها معدن ملك الصفات ورجوعنا من الصفات إلى عالم الذات ، ألا ترى كيف قال سبحانه في أصل خلقتنا
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] ؛ فصددنا من الصفة لرؤية الذات ، وصد من الذات للعلم بالصفات . انظر كيف قال لحبيبه عليه السلام :
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ
[ القصص : 85 ] ، اللّه اللّه لا تظن حديث النسطورية والأفروقية التي تقول بالثالث والثلاث ؛ فإنهم في غلط الخيالات وقعوا في انقسام الجزئيات من الكليات فنحن وقعنا من زنود تجلي القدم في العدم فكنا معدومين ونكون معدومين ونحن في وجودنا معدومون من حيث الحقيقة ؛ لأن من ليس وجوده منه وبقاؤه به معدوم من حيث الحقيقة والمعدوم يكون معدوما كما لم يكن في العدم والقديم لا يزال ، كما لم يزل في القدم
مِنْها خَلَقْناكُمْ
وقع على تراب العدم الذي في قبضة القدم . قيل ليحيى بن معاذ : ما بال الإنسان يحب الدنيا ؟ قال : حق له أن يحبها منها خلق وهي أمه ، وفيها نشأ فهي عيشه ، ومنها قد قدر رزقه فهي حياته ، وفيها يعاد فهي كفاية ، وفيها كسب الجنة فهي مبدأ سعادته ، وهي ممر الصالحين إلى اللّه ؛ فكيف لا يحب طريقا يأخذ بسالكه إلى جوار ربه ؟ ! [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 67 إلى 70 ] فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ( 67 ) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ( 68 ) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ( 69 ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ( 70 )
هامش
( 1 ) صوع : الصّواع : إناء يشرب فيه . وإذا هيّأت المرأة موضعا لندف القطن قيل : صوّعت موضعا ، واسم الموضع : الصّاعة . العين ( 1 / 126 ) .