سبحانه وصف الذين عملهم الصالح ، ترك ما دونه وهو بكرمه ورحمته يجازيهم به قربته ومشاهدته ، ويدخلهم قباب أنسه رياض قدسه ، وإلباسه إياهم أنوار جمال وجلاله فيكونون مزينين بحلي كرامته ، ولباس رأفته مستندين به إليه بنعت رؤية الرضوان الأكبر ، والحظ الأوفر نعم الثواب صلته ، ونعم حسن المرتفق مرتفقهم مجالس الوصال ورؤية الكمال والجلال والجمال .
قال ابن عطاء : على آرائك الأنس في رياض القدس في حجاب القرب وميادين الرحمة مستشرفون على بساتين الوصلة مشاهدون مليكهم في كل حال .
قال الأستاذ : يلبسون حلل الوصلة ، ويتوجون بتاج القربة ، ويحلون بحلي المباسطة يتكئون على أرائك الروح يشمون رياحين الأنس ، ويقيمون في حجال الزلفة ، يسقون شراب المحبة .
[ تفسير الآية 44 ]
قوله تعالى :
هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ
أخبر عن كمال حفظه أوليائه يوم القيامة عن التحير فيه ، فإذا يحفظهم عن قهر سلطان ربوبيته ، ويدخلهم في منازل وصلته فتلك الولاية الحقة له التي خص بها في الأزل أهل وداده وهي أرفع المنازل ، وأشرف المناهل ، وأحسن العواقب ، وأكرم المناقب ، والولاية الحق في الدنيا والآخرة هي ما صدرت من اختياره الأزلي وإرادته القديمة ، وحقيقتها ألا يخذل من اصطفاه بها .
قال الواسطي : من تولاه اللّه بالحقيقة فهو الولي ، ومن تولاه اللّه فيه فهو الوالي .
قال ابن عطاء : الحق أسبق من حقيقة المحق ، وهو يدعوك إلى حقه فإذا طلبته لنفسك يأتي عليك .
ألا ترى إلى قوله :
هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ
هو خير ثوابا وخير عقبا ثواب للطالبين له لا لطالب الجنة ، وخير أمد للمريدين .
قوله تعالى :
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا
معناه :
المحبة الدائمة غير مشوب بشوب الحدثان ، ولا بغبار الحرمان .
وأيضا : المعرفة الكاملة التي صدرت من رؤية ذاته وصفاته في قلوب العارفين .
وأيضا : الأنس باللّه والإخلاص في توحيد اللّه ، والانفراد باللّه عن غير اللّه ، وهذه المنازل باقية للعارفين ، وهي صالحة لا اعوجاج لها على حد الزائد ، وهي خير المنازل ؛ لأنها وصف بقاء العارف مع بقاء الحق .
قال جعفر الصادق :
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ
هو تفريد التوحيد فإنه باق ببقاء الموحد .