تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
حياة حقيقية بالعلم والمعرفة
وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً
كما لا ينتفع به بظهور الفضائل ، وطلوع أنوار التجليات ، فتتلذذون بالمشاهدات ، وتتمتعون بالكمالات . كما قال تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
[ الأنعام : 122 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلم في أبي بكر رضي اللّه عنه : « من أراد أن ينظر ميتا يمشي على وجه الأرض ، فلينظر أبا بكر » « 1 » أي : ميتا عن نفسه يمشي باللّه ،
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ
قومكم ومعبوداتهم غير اللّه من مطالبهم المختلفة ومقاصدهم المتشتتة ، وأهوائهم المتفننة ، وأصنامهم المتخذة
فَأْوُوا
إلى كهوف أبدانكم ، وامتنعوا عن فضول الحركات والخروج في أثر الشهوات ، واعكفوا على الرياضات
يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
زيادة كمال وتقوية ، ونصرة بالإمداد الملكوتية والتأييدات القدسية ، فيغلبكم عليهم
وَيُهَيِّئْ لَكُمْ
دينا وطريقا ينتفع به ، وقبولا يهتدي بكم الخلائق ناجين ، وفي الاوي إلى الكهف عند مفارقتهم سر آخر يفهم من دخول المهدي في الغار إذا خرج ونزل عيسى عليه السلام ، واللّه أعلم . وفي نشر الرحمة وتهيئة المرفق من أمرهم عند الاوى إلى الكهف إشارة إلى أن رحمته الكاملة في استعدادهم ، إنما تنشر بالتعلق البدني والكمال بتهيئته .

[ تفسير الآية 17 ]

قال سبحانه :
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ
الإشارة في الحقائق أنه أخفاهم في كهف الأسرار ، وأجلسهم في متسع الأنوار ، وأشهدهم مشاهدة الجمال ، وآواهم سناء الجمال ، ووقاهم من سطوات أنوار شمس العزة والعظمة والكبرياء التي تطلع من مشرق القدم ، وتغرب في مغرب الأبد ؛ لئلا يحترقوا في أنوار عين الألوهية ، ويفنوا في سلطان إشراق سبحات الكبرياء ، ولا يطلعوا على ذخائر غيوب البقاء ؛ كأنه تعالى رباهم في مشاهدته بنور جماله ، وحفظهم عن قهر كنه قدمه ؛ لئلا يتلاشوا في عزة جلاله ، ويبقى معه بنعت الصحو والبقاء ، ولولا ذلك الفضل العميم لو لم يبقوا في استعلان أنوار وحدانيته بأقل من لمحة رعاهم بنفسه عن نفسه ؛ لإدراك العلم بنفسه هم في فجوة الوصال ، وشمس الكبرياء ، تزاور عن كهف قربهم ذات اليمين الأزل ، وذات الشمال الأبد .
هامش
( 1 ) هو من الأحاديث المشتهرة عند السادة الصوفية ، وهو صحيح عند أرباب الكشف .