قال الجنيد في قوله :
وَزِدْناهُمْ هُدىً
جعلناهم أئمة المهتدين .
وقال بعضهم : سهّلنا لهم طريق القرية والوصلة .
ويقال : لا يسمع قصة الأحباب أعلى وأجل مما يسمع من الأحباب .
قال عز من قائل :
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ
.
وأنشد في معناه :
وحدّثني يا سعد عنها فزدتني * جنونا فزدني من حديثك يا سعد
ويقال : فتية ؛ لأنهم قاموا باللّه ، وما استقروا ؛ حتى وصلوا إلى اللّه .
وقال الأستاذ :
وَزِدْناهُمْ هُدىً
لاطفهم بإحضارهم ، ثم كاشفهم بما زاد من أنوارهم فلقاهم أولا بالنبيين ، ثم رقاهم عن ذلك إلى ما كان كاليقين ،
[ تفسير الآية 14 ]
ثم زاد في وصف إيقانهم وإيمانهم ، وعرفانهم ثبات قلوبهم ؛ حين قاموا مقام المحبة ؛ بشرط وفاء العبودية ، ونفاذ أبصارهم وأسرارهم في المشاهدة والبراهين العقلية ، وبلوغها إلى رؤية رب العزة بقوله :
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ
أضاف ارتباط قلوبهم إلى نفسه ؛ حيث عرّفهم نفسه بنفسه بلا واسطة ، فلما أدخلهم في عالم الملكوت ، وأراهم سبحات عظمة الجبروت ، كادت قلوبهم تفنى في أول بوادي أنوار العزة ، بديهة كشف سناء الأولية فألقى عليها رواسي نوار الهيبة ، وربطها على مشاهد القربة بمسامير المحبة ؛ حتى استقاموا في المعرفة حين قاموا بالشوق إلى مشاهدة الوصلة ، فلما عظم عليهم قهر لطمات بحر القدم ألجأهم الحق إلى سواحل الكرم ، وأشهد ما أخرج من العدم ؛ حتى
فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ولولا خوف الزوال لهم ما غابوا عن القدم إلى مراسم العدم ، ولكن قلوبهم في مواقف العدم مرتبة ، وإن كانوا في مشاهدة الرسوم لهم إشارة إلى براهين .
بقوله تعالى :
لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً
أي : لن نرى من دونه شيئا في البين ، ولو نرى الوسائط في رؤية الوسائط
لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
أي : ميلا عن طريق إفراد القدم عن الحدوث .
قال ابن عطاء : رسمنا أسرارهم بسمة الحق فقاموا بالحق للحق
فَقالُوا رَبُّنا
إظهار إرادة ، ودعوة .
ثم قالوا :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
رجوعا من صفاتهم بالكلية إلى صفاته ، وحقيقة علمه
لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً
لن نعتمد سواه في شيء لو قلنا غير ذلك كان شططا يعني بعيدا من طريق الحق .