تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
لعبادة أي : احمدوا اللّه الذي عرف عبده الكلام الأزلي بعد أن وهبه استعداد سماع كلامه ، وقبول وحيه قوة رؤيته من يعبر عنه بلسان غير معوج ، وغير مفهوم ولو أنزل عليهم باللسان الأزلي من يفهم ذلك من العرش إلى الثرى إلا متصف بصفاته ، فالحمد وجب على الجمهور ؛ حيث شاهدوا بصفاته وكلامه على عبده ، وأنطقه بمراده من كتابه . قال ابن عطاء : أضاف الكل بالكلية إلى نفسه ، وقال على عبده أي : على عبده المخلص ، وحقيقة العبد الذي لا ملك له . وقال أيضا : الكتاب منشور ظاهر فيه أسرار باطنه .
عِوَجاً
أي : زيغا وميلا إلى الغير ، كما قال :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
[ النجم : 17 ] أي : لم ير الغير في شهوده .

[ تفسير الآية 2 ]

قَيِّماً
اجعله قيما يعني : مستقيما كما أمر بقوله :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
[ هود : 112 ] والمعنى : جعله موحدا فانيا فيه غير محتجب في شهوده بالغير ولا بنفسه ، لكونها غير أيضا ممكنا مستقيما حال البقاء . كما قال :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
[ فصلت : 30 ] . أو جعله قيما بأمر العباد وهدايتهم إذ التكميل يترتب على الكمال ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم لما فرغ من تقويم نفسه وتزكيتها أقيمت نفوس أمته مقام نفسه ، فأمر بتقويمها وتزكيتها ، ولهذا المعنى سمي إبراهيم - صلوات اللّه عليه - أمة . وهذه القيمة أي : القيمة بهداية الناس داخلة في الاستقامة المأمور هو بها في الحقيقة ؛
لِيُنْذِرَ
متعلق بعامل قيما أي : له قيما بأمر العباد ؛ لينذر
بَأْساً شَدِيداً
وحذف المفعول الأول للتعميم ؛ لأن أحدا لا يخلو من بأس مؤمن كان أو كافر . كما قال تعالى : « أنذر الصديقين بأني غيور ، وبشّر المذنبين بأني غفور » « 1 » ، إذ البأس عبارة عن قهره ، ولذلك عظمه بالتنكير أي : بأسا يليق بعظمته وعزته ووصفه بالشدة ، وخصصه بقوله :
مِنْ لَدُنْهُ *
والقهر قسمان : قهر محض ظاهره وباطنه قهر كالمختص بالمحجوبين بالشرك ، وقسم ظاهره قهر وباطنه لطف وكذا اللطف . كما قال أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه : سبحان من اشتدت نقمته على أعدائه في سعة نعمته ،
هامش
( 1 ) لم أقف عليه هكذا ، وقد ثبت في أحاديث عدة بنحوه .