تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
الخلق في أمر القدرة ، فتشكر من أجاب ، وتعذر من أبى وفي قوله :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
الجدال الحسن أن تدلّهم إلى اللّه باللّه ، تعرف ذاته وصفاته ، بما وجدت من كرمه ولطفه ، شفقة ورحمة على خلقه . قال بعضهم : هي التي فيها من حظوظ النفس شيء ، ولا يرى أنه الممتنع من قبول الموعظة ، فيغضب عليه
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
فلا ينجح فيه قولك
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
الموفقين الذين شرحت صدورهم لقبول ما أتيت به . قال سهل : السبيل الذي أمر اللّه تعالى نبيه عليه السلام أن يدعو إليه ، هو الإيمان باللّه ، فإنه طريق ممدود من الدنيا إلى الآخرة .

[ تفسير الآية 126 ]

وزاد تعالى تأكيدا باستعمال الكرم والخلق ، والعفو والصبر ، بقوله :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
دفع الانتقام لحظ النفوس ، وأجاز الانتقام له لا لغيره ، والصبر في المكاره ، والامتحان منتهى مقام المجتهدين ، الأول يتعلق بمقام المبتدئين ، والصبر يتعلق بمقام الراضين ، والمريد منغمس في أنوار الشريعة ، والعارف مستغرق في بحر الربوبية ، الأدب شعار المريدين ، والرضا مقام المختارين . قال الجنيد في قوله :
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ
: ولم تعاقبوا لها خير للصابرين التاركين العقوبة ، التي أباح العلم فعلها بالأدب الذي يتبعه بالأمر ، ويلزمه بالترغيب ، أنه خير للصابرين ،

[ تفسير الآية 127 ]

ثم بيّن سبحانه أن ذلك الصبر الذي هو خير للصابرين لا يكون إلا باللّه بقوله :
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
أي : صبرك في بلائه لا يكون إلا بكشف جماله لك ، وأيضا أي : ما صبرك إلا بعد تخلقك بصبره ، وأيضا
وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
أي : اللّه عوض صبرك ، وأيضا صبرك باللّه ، لا بنفسك ، فإن بلاءه لا يحتمله إلا هو . وقال الواسطي في هذه الآية : أخبر بأنه هو الذي تولاهم بحجبهم عند المعاينة في الحضرة عن الحضرة ، وهم ثلاث طوائف عند اللقاء ، طائفة تسر مدت بقيومية دوامه وأزليته ، فلم تجر عند اللقاء عليها آفة باتصال أنوار السرمدية بأنوار الأبدية ، وطائفة لقيته في زينته ، وحسن نظره واختياره ، فغمزهم في نعمته وحجبهم بكرامته ، فهي متلذذة بنعمة محجوبة عن حقيقته ، وطائفة يثبت شواهد طاعاتها وزهدها ؛ فقال لهم مرحبا بمقدمكم فحجبهم في نفس ما خاطبهم . وقال ابن عطاء : يأمره ويبرئه . وقال جعفر : أمر اللّه أنبياءه بالصبر ، وجعل الحظ الأعلى منه للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، حيث جعل أمر