قال بعضهم : أصلح اللّه قلوب المؤمنين للمعاملة ، وأصلح قلوب الأنبياء والأولياء للمجاورة والمطالعة .
وقال الواسطي : هي الخلة لا غيرها تولي الأنبياء بخلقه خلقهم على ذلك جذبا منهم إليه .
قال الأستاذ : آتيناه في الدنيا حسنة حتى كان لنا بالكلية ، ولم يكن لغيرنا ،
[ تفسير الآية 123 ]
ثم جعله إماما لنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم وأمّته بقوله :
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
ملة إبراهيم الخلة والمحبة والرضا والتسليم والسخاء والوفاء والكرم ، أوحى إلى رسوله بمتابعته ، إذ اختاره بما اختار خليله وأجل وأفضل بدايته متابعة الخليل ، ونهايته انفراده في تجريد التوحيد عن غير الحق بالحق ، ويقتضي هذا التأدب بآداب المشايخ ، والتواضع للأكابر ، كما قال الدينوري : أمر اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم باتباع الخليل لئلا يأنف أحد من الاتباع ، وملة إبراهيم كانت سخاء ، والخلق الحسن ، فزاد عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى جاد بالكونين عوضا عن الخلق ؛ فقيل له :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
.
ومن جملة ما أمره اللّه باستعمال الخلق .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 125 إلى 128 ]
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 ) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 )
[ تفسير الآية 125 ]
قوله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
أي : خاطب الجمهور بلسان الشريعة لا بلسان الحقيقة ، فإن تكلمت معهم بالحقيقة طاشت العقول فيها ، وبقيت الخلق بلا فهم ، ولا علم ، والموعظة الحسنة التي لاحظ للنفس فيها ، ويكون على قدر عقول الخلق وطاقتهم .
قال بعضهم : خاطب كلّا على قدره ، والموعظة الحسنة فيها ترغيب وترهيب .
سئل بعضهم : لم قدم اللّه الحكمة ؟ فقال : لأن الحكمة إصابة القول باللسان وإصابة الفكرة بالجنان ، وإصابة الحركة بالأركان ، إن تكلم ، تكلم بحكمة ، وإن تفكر ، تفكر بحكمة ، وإن تحرك ، تحرك بحكمة .
وقال جعفر : الدعاء بالحكمة أن تدعو من اللّه إلى اللّه ، باللّه ، والموعظة الحسنة أن ترى