تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
فتقاضى سرهن حقائق الخبر ، وتفتيش الأمر ليذقن ما ذاقت زليخا فاحتلن ،

[ تفسير الآية 30 ]

وقلن ذكر ملامتها بقوله سبحانه :
وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا
، ذكرهن لملامة اشتهائهن رؤية يوسف عليه السلام ، وحكمن بحكم الفراسة أنّ حب يوسف عليه السلام بلغ حبة قلبها وصورة شغاف القلب سجف لطيف رفيق ، وبراءة عالم الكشافة ، وبعده عالم اللطافة الأول مقام النفس والهوى والوساوس ، والاخر مقام العقل والروح والملك ، ومقام الكشافة مقام شهوة الإنساني ، ومقام اللطافة مقام شهوة الروحاني ، وليس في الروحاني علة الهوى والنفس والشيطان ، فإذا وصل الحب إلى منظر الروح واتصل بروح الروح بلغ إلى عالم الرحماني ، فإذا تمكنّ الحب هناك تخلص من الوسائط ، وصار حب اللّه ، فكل محبة وصلت إلى هنا فقد وصلت شغاف القلب ، واتصلّت بمحبة اللّه ، كأنهن أردن محبة يوسف عليه السلام ، وصلت في قلبها إلى محبة اللّه ، وهناك استغراق الحب ؛ حيث بقيت الأشباح في سورة الوسائط بمحبتها ، وبقيت الأرواح في مشاهدة الحق لا للأرواح قرار ، ولا للأشباح قرار ، وهذا وصفهن زليخا بهذه الصفة بقوله :
إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي : في غيبوبة من استغراق الحب ، وتمكين العشق بحيث لا تخاف من الملامة ، ولا تلتفت إلى السلامة ، ويمكن أن إشارتهن إلى ضلالها إلى أنها أرادت من يوسف عليه السلام وحبه أن يكون يوسف من غاية حبها صورة وروحا اتحادا ، فهن في منزل العقل والعلم يقين من مباشرة الجمال ، وعلموا أن ذلك مستحيل من حيث العقل ، لا من حيث العشق ومباشرة الحال . قال الجنيد : وسئل : ما علامة المحبة ؟ قال : ذكر اللّه في كتابه :
قَدْ شَغَفَها حُبًّا
. قال : ألّا يرى جفاء الحبيب له جفاء ، بل يرى جفاء الحبيب له وفاء . قال سمنون : الشغاف في المحبة امتلاء القلب منه حتى لا يكون لشيء غيره فيه مكان . قال الشبلي : الشغاف نهاية العشق . وقال بعضهم : الشغاف في المحبة حال الخمود ؛ حيث لا عبارة عما به ولا إخبار ، كما قال اللّه :
وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي
. وقال السري : أذهلها حبه حتى لم تكن تعرف سواه ، ولم يكن للملامة عليه من الغير أثر ، وذلك صدق المحبة . وقال جعفر : الشغاف مثل الغيم أظلم قلبه عن التفكر في غيره ، والانشغال بسواه . وقال ابن عطاء في قوله :
لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
: أي في وجد ظاهر ، ومحبة بينة ، وشوق مزعج . سئل جعفر بن محمد عن العشق ؟ فقال : ضلال . ثم قرأ :
لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
.