تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
البلاء ، فأراد يوسف عليه السلام أن يلزم عليها ملامة المحبة ، فإنّ الملامة شعار المحبين ، فمن لم يكن ملوما في العشق لم يكن متحققا في العشق ، أراد يوسف عليه السلام كونه عاشقا جلدا ليزيد عشقا على عشقها ؛ لأنّ الملامة للعاشق زيادة ذكر المعشوق ، فإذا استقامت تزيد حرقة العشاق والهيجان ، همّ إلى رؤية المعشوق والخروج من موضع التهمة ، ودفعها دأب المعشوقين أيضا لزيادة عشق العاشقين ، فلما بان جرمها بالبرهان الواضح قال زوجها :
إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
، أراد بالكيد هاهنا التجشم والغنج والدلال وتقليب طرفهن ، وكشف ذوائهن ، وخضاب أطراف بنائهن ، ولطافة حركاتهن ، وإلقائهن التفاح والسفرجل إلى معشوقهن ، وتزيين لباسهن ، ولطافة كلامهن ، وحيث يحتكنّ بهذه الرعونات على من له لطافة وظرافة ورقة طبع ، وأهلية للعشق ، فأين إبليس منهن ؟ وهو هناك أجيرهن ، عظّم اللّه كيدهنّ ، وأضعف كيد الشيطان بقوله :
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
: سبب ضعف كيد الشيطان هاهنا أنه قبيح الصورة ، شنيع المنظر ، لا يقدر على الرجال إلا بالوسوسة ، وهناك بحسنهن حوليات الشهوات يجرون بها الجبال . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما تركت من بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء » « 1 » . وقوله عليه السلام : « النساء حبائل الشيطان » « 2 » أي : أعظم معاملة إبليس النساء بالرجال ، أطلق حبال ذكرهن من ألف فرسخ يقيد بها أعناق الرجال ، ولولاهن نجساء المعلون من وساوس الخلق ، فإنّ أعظم الفتنة في العالم النساء . أيضا : سمّي كيدهن عظيما ، وذلك الكيد قيدهن الرجال بلطائف ما ذكرنا من شمائلهن ، وذلك من أصل وهوان حسنهن وجمالهن وظرافتهن من حسن فعل اللّه في وجوههن ، وذلك الفعل مرآة تجلي حسن الأزل ؛ لذلك سماه عظيما ، وهذا إشارة لا يعرفها إلا صاحب واقعة ، وأين الأبله والغبي والبليد من فهم هذا المعنى ؟ ! قال بعض الحكماء : أنا أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان ؛ لأنّ اللّه يقول :
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
، وقال للنساء :
إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
. وقال الشبلي :
إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
: على من لم يصحبه من ربه توفيق الرعاية ، فأمّا من كان بعين الحق كيف يلحقه كيد كائد ، فلما فشي الخبر وكثرت الملامة ، وسمعت نساء البلد هاجت سرهن ؛ لأنّ أزواجهن كانت متالفة بروح زليخا ، وهن جميعا مع روح يوسف عليه السلام ،
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 1959 ) ، ومسلم ( 4 / 2097 ) . ( 2 ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ( 7 / 106 ) .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 166 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )