[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 84 إلى 87 ]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ( 84 ) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 85 ) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 86 ) قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ( 87 )
[ تفسير الآية 84 ]
قوله تعالى :
إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ
: أراد خير الدنيا الذي هو محل الاستدراج والامتحان ، وإن رأى خير الآخرة ما خاف عليهم وأهل المعرفة ، إذ رأوا أنفسهم في أعالي الدرجات والمقامات والاستقامة ، زاد لهم خوفا ؛ لأنهم عرفوا اللّه بغيرة القدم ، ولا يستقيم بإزاء غيرته الحدثان ، ألا ترى إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أنا أعرفكم باللّه وأخوفكم منه » « 1 » .
قال بعضهم : أقرب حال إلى الاستدراج أيام الأمن والدعة ، وتواتر النعم عليك ، وترادف الخيرات عندك .
ألا ترى اللّه حاكيا عن بعض أنبيائه لأمته :
إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ
.
وقال بعضهم في :
أَراكُمْ بِخَيْرٍ
أي : بنعمة من اللّه ،
وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ
:
تقصيركم في شكر النعمة .
[ تفسير الآية 86 ]
قوله تعالى :
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
: بقية اللّه وقربته ووصاله وما ادّخر لأوليائه من الكرامات السنية والدرجات الرفيعة .
قال بعضهم : ما ادّخر اللّه لكم من كراماته خير مما تسألونه فيه .
هامش
-اسْتَطاعُوا[ البقرة : 217 ] ؛ فإن مفهومه أنهم لا يستطيعون أن يردّوا المخلصين الراسخين عن دينهم ، وإن ركبوا في ذلك ، متن كل صعب وذلول ، لما إن اللّه كتب في حقهم السعادة فلا يتغيّر بحال من الأحوال ، وأمّا القضاء المعلّق فبخلاف ذلك ، وتحقيقه أن كلا من السعادة والشقاوة ؛ إمّا أصلية أو عارضة ، فالأصلية لا يعارضها عارض ، وإن عارضها ، فالمال إلى السعادة والشقاوة ؛ لأن الأبد مرآة الأزل ، فلا تزال صورة الأزل منعكسة في مرآة الأبد ، فالمؤمن الأصلي لا يضرّه الكفر العارضي فإنه مكتوب في علم اللّه أنه مؤمن ، وكذا في بطن الأم ؛ فإن بطن الأم ناظرة إلى علم اللّه ، فهما لوحان متوافقان ، وكونه مكتوبا في اللوح المحفوظ : إنه كافر لا يضرّه ؛ لأنه لوح المحو والإثبات .
( 1 ) ذكره الحسيني في البيان والتعريف ( 1 / 294 ) .