تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وأستريح من صحبتكم ، ورؤية معصيتكم ، فأنتظر بعد ذلك ما وعدوه ، قيل له :
أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
« 1 » . ما أشد على العارفين انتظار واردات الغيب ، وطلوع صبح المشاهدة ، وانفلاق شرق العناية ، وإشراق شمس المكاشفة ! دنا وصال الحبيب ، واقتربا واطّربا للوصال وأطربا . حكي عن السري أنه قال : قلوب الأبرار لا تحتمل الانتظار . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 82 إلى 83 ] فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ( 82 ) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ( 83 )

[ تفسير الآية 82 ]

قوله تعالى :
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها
: إذا طاب عيش العارفين بجمال معروفهم ، وسكنوا بمواساة لطائف قربه ، واستأنسوا بنرجس مودته ، وورد وصلته وياسمين نور صحبته ، واطمأنوا في مكانات كشوف غرائب الملك والملكوت ، وأمنوا من بليات الامتحان ، هاج غيرة القدم عليهم ، وأقلعهم طوارقات القهر ، وألقتهم إلى منازل الامتحان ، وجعلت أعالي قلوبهم وأحوالهم أسافل نفوسهم وشهواتها ، حتى يعرفوا أن ساحة الكبرياء منزّهة عن الأنس والوحشة والوجود والعدم ، والمريدون إذا استكبروا على المشايخ يقلب اللّه مواجيدهم بطر النفوس ومجاهدتهم اتباع شهواتهم ، الويل لمن كان هكذا المسلم عليهم أحجار البعد ، نعوذ باللّه منها ، وسماتها تواتر العصيان ، والخروج على أطيار بساتين الرحمان ، وهذا جزاء من خرج على سادته ومشايخه ،

[ تفسير الآية 83 ]

قال اللّه :
وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ
أي : ما هذا الحجاب والبعد من التاركين السنة والمتابعة ببعيد . قال بعضهم : لما أدركهم الحكم السابق الجاري في الأزل عليهم قلبنا عليهم أرضهم كما حكمنا عليهم بتقليب قلوبهم ، وصرفهم عن طريق الحق وسبل الرشاد . وقال محمد بن الفضل : ما أصاب قوم لوط ما أصابهم إلا بالتهاون بالأمر ، وقلة المبالاة ، وارتكاب المحارم بالتأويلات . قال اللّه :
وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ
أي : ما له بعذاب ممن حملوا ما علموا من تخطي الشرع ، والتهاون بالأمر ، وارتكاب المناهي بالتأويلات ببعيد « 2 » .
هامش
( 1 ) إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب حينئذ حلول العذاب حينئذ أفظع ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين . ( 2 ) في قوله سبحانه :وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍدلالة على أن القضاء المبرّم لا يردّ ؛ وهو القضاء الغير المعلّق ، وإليه الإشارة بقوله تعالى أيضا :وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ-