تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
والضراء يكون مغلوب قهره ، متروك حظه ، محروما من مراده ، محجوبا عن اللّه بغير اللّه ، باقيا في فوات المراد ، ومن كان بهذه الصفة فهو ظالم ؛ حيث وضع الربوبية عند من لا يستقيم في العبودية . قال شقيق : الظالم من طلب نفعه ممن لا يملك نفع نفسه الضر ممن لا يملك الدفاع عن نفسه ، ومن عجز عن إقامة نفسه كيف يقيم غيره ! قال اللّه :
فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ
.

[ تفسير الآية 107 ]

ثم زاد تأكيدا إليه في رجوع عباده بالكلية وإعراضهم عما سواه بقوله :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ
: عرّف حبيبه أن كل حركة من العرش إلى الثرى فهو تعالى محركها ، وكل روح وجسد وقلب ونفس وهمة وعقل وكفاية مستغرقة في بحار مقاديره لا يجري عليهم إلا موارد القضاء والقدر ، وكل مشيئة في الامتحان بالضر وإيصال النفع تصدر من حكمة السابق ، فينبغي ألا يرى الغير في البين ،
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ
الحجاب
فَلا كاشِفَ
لذلك
إِلَّا
ظهور أنوار وصاله ،
وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ
كشف جماله ،
فَلا رَادَّ
لفضل وصاله من سبب ، وعلة من الألوان والأعمال ، فإن المختص في الأزل بوصالنا لا يحتجب بشيء من الأشياء ؛ لأنه في الفضل السابق مصون عن جريان القهر . ثم علق ذلك بمشيئته السابقة ، وأخرجه عن اكتساب البشر بقوله :
يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
من عرفانه ؛ لأنه ساتر الأولياء في قباب عصمته عن طوفان قهره رحيم بهم ؛ حيث ربّاهم بجماله ، وآواهم إلى وصاله . قال ابن عطاء : قطع الحق على عباده طريق الرغبة والرهبة إلا إليه بإعلامه أنه الضار النافع .

[ تفسير الآية 108 ]

قوله تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ
: الحق هو القرآن في ظاهر التفسير وحقائقه وتجلي ذاته في صفاته ، وصفاته في فعله ، فوصل بركة تجليه إلى كل مبارك ، وانصرف نوره عن كل محروم ، ثم بيّن سبحانه أن عروس القدم قد انكشف لأهل العدم ، فمن رآه رآه بحظه الوافر ، ومن أخطأه أخطأ طريق النجاة بقوله :
فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
: أي : من عرفني فمعرفته راجعة إليه ، ومن جهلني فجهله راجع عليه ، فإن ساحة الكبرياء منزّهة عن معرفة العارفين وجهل الجاهلين ؛ حيث ما استوحش حين جهلوه ، وما استأنس حين عرفوه ، ثم بيّن أن المتولي تعالى
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 103 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )