فجازهم من سطوات القهر ؛ لأن رحمته سبقت على غضبه ، ولولا كشف جماله لهم لبقوا في حجاب النكرة واحترقوا .
وأيضا :
لَمَّا آمَنُوا
أي : عرفوا صفات الحق بعد بروز أنوارها في قلوبهم ارتفع عنهم عذاب البعد والفراق ، ثم بيّن اختصاص المختصين واصطفائية المصطفين أنها بمشيئة الأزلية ولا بعلة الاكتساب يكون الولي وليّا ، بل بفواتح كرمه وسوابق نعمه قوما من العارفين وبقهر قدمه يضع آخرين .
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 99 إلى 100 ]
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 )
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
« 1 » .
[ تفسير الآية 99 ]
وصرح الحق أن لو شاء لخلقهم جميعا مستعدين للولاية بقوله :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً
، ولكن جعل قوما غذاء رحمته السابقة ، وجعل قوما غذاء قهره الأول ؛ لتكون الصفتان على قوام حظهما من البرية ، وتبين خاصية أحبائه وطرد أعدائه ، وفيه إياس الطامعين في إيمان من ليس له أهليه لمعرفته .
[ تفسير الآية 100 ]
قوله تعالى :
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
: كل نفس ليس لها استعداد معرفته وقبول محبته ، وليس بها من اللّه سابقة حسن عنايته في الأزل بنعت اصطفائيتها بالولاية كيف تعرفه ، ومعرفته نتائج أنوار طوالع صفاته في قلوب العارفين .
هامش
( 1 )وَلَوْ شاءَ رَبُّكَإشارة بالاسم الرّب إلى أن ما بعده من قبيل القرينة ، إمّا بالنسبة إليه صلى اللّه عليه وسلم فبالعلم ، وإمّا بالنسبة إلى قومه فبإبقاء بعضهم على حاله من الجهل والمعصية ، وعبارة الخطاب له صلى اللّه عليه وسلم وإشارته لكل من هو بصدد التبليغ من الورثة .
قوله عز وجلّ :لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِأراد بمن في الأرض : الأنس والجن ، كما دلت عليه كلمة من ، فإنهم هم المكلّفون : منهم المؤمنون ، ومنهم الكافرون .
وأمّا من في السماء ، وما في الأرض من الملائكة ، وما عدا الإنس والجن ؛ فهم مؤمنون مسبّحون ، باقون على فطرته الأصلية ، لا يحتاجون إلى الدعوة والتبليغ .
قوله عز وجلّ :كُلُّهُمْ جَمِيعاًأي مجتمعين في الإيمان ؛ كاجتماع الملائكة في سجدة آدم ، واجتماع بعض القبائل والطوائف على الإيمان ، كما دلّ عليه قوله تعالى :وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً[ النصر : 2 ] ؛ فإن بعض الناس إذا دخلوا في دين اللّه مجتمعين بمشيئة اللّه تعالى ؛ فكلهم من شأنهم الدخول فيه كذلك ؛ لكن اللّه لم يشأ ذلك لحكمة تقتضيه ؛ وهي كون الموطن موطن الجمال والجلال ، وظهور آثار الأسماء الإلهية مطلقا ، فلو آمن كلهم ؛ لبقى بعض الأسماء بحيث لا حكم له في العين ، وذلك ينافي جمعية نشأة الإنسان .