تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
وقال الأستاذ : من جملة مكره اغترار قوم بما يرزقهم من الطيّبات الجميلة ، وأجر كثير الطاعات عليهم ، مع شرب لهم من قبول الناس إيّاهم ، ثم أسرارهم تكون بالأغيار منوّطة ، وهم عند اللّه غافلون ، وعند الناس أنهم عند اللّه مكرّمون ، وفي معناه قيل :
وقد حسدوني قرب داري منهم * فكم من قريب الدّار وهو بعيد
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 33 إلى 38 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 33 ) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 34 ) وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 35 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ( 36 ) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 37 ) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ( 38 ) قوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
« 1 » : كان عليه السلام رحمة تامة للجمهور حياة ومماتا ، صرف اللّه عذابه المستأصل عمّن كان على رأس المخالفة ، ونبيّه عليه السلام بين أظهرهم ؛ لأنّ كلّ عين نظرته ، واقتبست نوره ، لم يكن مستأصلا من أصلها ، وإن كانت محجوبة عن رؤية مراتبه ، وشرف منازله ؛ لأن مكثه وظله عليه السلام كنف رحمة اللّه ، ومن يدرك في نفسه قارعة لتنبهه من غفلته ، وتخلصه من عذاب اللّه . وأيضا ما كان اللّه ليعذّب قومك بعذاب البعد ، وأنت قريب منهم ، فإن من رآك رآني ، لا يحتجب منا ما دام ينظر إليك « 2 » .
هامش
( 1 ) المراد بالتعذيب الأول هو : التعذيب الدنيوي ؛ لأن وجود النبي صلى اللّه عليه وسلّم أمان للمذنبين ، وعبارة الخطاب له صلى اللّه عليه وسلّم ، وإشارة لاصطفاء أمته ؛ فيكون كقوله : « لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك » ؛ فإن المراد به : لولاك ولولا ما هو شعبة من شعب أنوارك لما خلقت العالم من العرش ، والكرسي وغيرهما . ( 2 ) فانظر إلى قوله تعالى :وَما كانَ اللَّهُإلخ ، كيف جعل الوجود النبوي ، وحصول الاستغفار سببا لارتفاع العذاب ، وباعثا على الأمان ؟ فالأول : من الأسباب الآفاقية ، والثاني : من الأسباب الأنفسية ، فكما أن الورثة خلفاء الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ونوابه ، وبهم يحصل من الأمان ما يحصل به ، وإن كان دونه ؛ فكذا القلب بمنزلة الوجود المحمّدي في عالم الوجود بشرط أن يظهر على الصفة النبوية من التوجه إلى اللّه