تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
ومرابع سنا الإسلام والدين ، ويتفرد القلب بنور الموحّد والتوحيد من كلّ خاطر غير خاطر الحقّ ، ويكون القلب كلّه مستغرقا في بحار محبّته ، والروح هائمة في أودية هويته ، والعقل تائها في صحاري أزله وأبده ، ولا يكون منها جميعا نظر إلى غيره . فإن النفس حجاب القهر بينها وبين بارئها ، الذي هو منعم عليها بإلقاء محبّة وجهه فيها ، ونصرها على نفوسها وهواها ، وفي ذلك مدح نفسه تعالى ، بقوله :
نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
: نعم المولى لأوليائه ، ونعم النصير لعمّاله ، أنعم بسبق ولايته ومحبّته على المحبين في أزله ، وعلى المجاهدين له هواهم ونفوسهم ، بنصرته لهم إلى أبد أبده . قال بعضهم : نعم المولى لمن والاه ، ونعم النصير لمن استنصره . وقيل : نعم المولى لأهل الولاية ، ونعم النصير لأهل الإرادة . يقال : نعم المولى بالتعريف . وقيل التكليف ، ونعم الناصر لك بالتخفيف والتضعيف يضعف الحسنات ، ويخفّف عنكم السيئات ، فأنشد :
هواك أول ما عرفت من الهوى * والقلب لا ينسى الحبيب الأزلا
قوله تعالى :
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا
: نفي التدبير عن ساحة التقدير ، ويخرج ما في المشيئة الأزلية على لباس الأمر بنقض العقود والعزائم التي اجتمعت عموم الخلق عليها . قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : عرفت اللّه بنقض العزائم ، وفسخ الهمم . قال جعفر : ما قضى في الأزل يظهره في الحين والوقت بعد الوقت . وقال بعضهم : ليكشف عن سوابق علمه في غيبه ، باتّصال كلّ من الفريقين إلى ما سبق له منه في أزله ، ثم صرف الخلق من ديمومة المشيئة ، إلى صورة الأحكام ، لعلمه بقلّة إدراكهم سوابق القسمة في الأزل ، بقوله تعالى :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
: قدّر في الأول ، ونصب أعلام القهر واللطف في الطريقة في الآخر ، فيرجع الآخر بما يبدو منه إلى مصدر تقدير الأول ، وبيّن أنه منزّه عن الجهل والظلم ، نصب الأدلّة لبيان حكمته ، وإثبات حجته .
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
: أمره السابق ، وإرادته القائمة .
وَيَحْيى مَنْ حَيَّ
: بتلك البيّنات .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 530 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )