تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
لا لأنفسكم وحظوظكم ، وطلب أعواض أعمالكم .
اسْتَجِيبُوا
: ببذل أرواحكم وأشباحكم لداعية الأزل ، حيث دعاكم منه إليه قبل وقوع حدّ وثبتكم ، دعاكم بوصف السرمدية من محبّته لكم ، وشوقه إليكم ، فأحبّوه واشتاقوا إليه بمحبّته وشوقه ، واستجيبوا للرسول بمتابعة أمره ، فإنه روح الصغرى من عالم الملكوت أدرك من روح الكبرى ، وهي نعوت الجبروت حياة القدم .
يُحْيِيكُمْ
: بروح الصغرى والكبرى . وأيضا
لِما يُحْيِيكُمْ
أي : مشاهدة الأزليّة ، وقربته الأبدية ، ومحبّته الصفاتية ، ومعرفته الذاتية . قال الجنيد في هذه الآية : قرع أسماعهم ، فيسمعهم حلاوة الدعوة ، فيتنسموا روح ما أدّته إليهم الفهوم الطاهرة من الأدناس . فأسرعوا إلى حذف العلائق المشغلة قلوب الموافقين ومنعها ، وهجموا بالنفوس على معانقة الحذر ، وتجرّعوا مرارة المكابدة ، وصدقوا اللّه في المعاملة ، وحسن الأدب فيما توجهوا إليه ، وهانت عليهم المصيبات ، وعرفوا قدر ما يطلبون ، واغتنموا سلامة الأوقات ، وسجنوا همومهم عن التقلّب إلى مذكور سوى وليّهم ، فحيوا حياة الأبد بالحي الذي لم يزل ولا يزال ، فهذا معنى قوله :
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ
. وقال الواسطي في قوله :
إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
: حياة تصفيتها من كلّ معلول لفظا وفعلا . وقال جعفر : أجيبوه إلى الطاعة ؛ ليحيي بها قلوبكم . وقال أيضا :
إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
: « الحياة » : هي الحياة باللّه ، وهي المعرفة ، كما قال اللّه تعالى :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
[ النحل : 97 ] . وقال بعضهم : استجيبوا للّه بسرائركم ، وللرسول بظواهركم إذا دعاكم إلى ما يحييكم . فحياة النفوس بمتابعة الرسول ، وحياة القلب بمشاهدة الغيوب ، وهو الحياء من اللّه برؤية التقصير . وقال جعفر الصادق : حياة القلوب في المعاشرة ، وحياة الأرواح في المحبّة ، وحياة النفوس في المتابعة ، ولما دعاهم إلى مشاهدته بنعت الشوق ، عرّفهم أن قلوبهم مسلوبة منهم بكشف جماله ، وإلقاء محبّته ومعرفته فيها ، بقوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
أي : قلوبكم معي فاتّبعوا أثرها ،