تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ( 10 )
[ الصافات : 10 ] . قال تعالى :
فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
: فإذا وصل إليهم نار الوسواس ، وأوجسوا في أنفسهم غبار سنابك ، خيول الشيطان التجأوا بتراكب الذكر إلى جناب الأزل ، فإذاهم يرون ما أفسد الشيطان من محافل الأنس ، ومجالس القدس في قلوبهم ، ويرون طيف الشيطان أيضا بنور العرفان ، فيرمونهم بسهام الذكر ، ونيران المحبّة من قارورة الشوق فتحرقهم . قال تعالى :
فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
. رأى الجنيد في المنام إبليس ، فقال : هل تقدر أن تمرّ على مجالس أهل الذكر ؟ فقال : كما أن أحدا منّا يمر على أحد منكم ، ويمسّه ، ويصير مجنونا ومصروعا ، فمنا من يمر على مجلس الذكر يصير مصروعا ، ونسمّيه بيننا مأنوسا ، كما تقولون مصروعا منكم مجنون . قال بعضهم : من حال سرّه في ميادين الأنس والقربة ، وحجر نفسه عن طوارق الفتنة وطوائف الشيطان ، هم الذين قال اللّه :
إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا
. [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 204 إلى 206 ] وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 204 ) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ( 205 ) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( 206 ) قوله تعالى :
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
. ندب الحق سبحانه الجميع أن يسمعوا القرآن بقلوب حاضرة ، ونيّات صادقة ، وأسرار ظاهرة عند سكونهم عن الفضولات لوقار القرآن ، فإذا رآهم الحق في منازل مقال الخطاب وحرمات الأمر ، يتفضّل عليهم بكشف أسراره لقلوبهم ، ويذوق طعم خطابه أسرارهم ، ويعرفهم نكات إشاراته اللطيفة ، وأنبائه العجيبة ، والحكمة الغريبة ، فمن يرى مواقع أسراره بأنواره ، ويسمع باللّه كلام اللّه صار القرآن بصائره ، يرى به جميع الصفات ومشاهدة الذات قال تعالى :
هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
« 1 » . فلعلّ ههنا توجيها للمستمعين ، كلامه بالأدب والسكون أي : إذا كنتم كذلك ؛ لعلّكم تكاشفون بأسراره وأنواره ومواجيده . قيل فيه : استمعوا له بآذانكم ؛ لعلّكم تسمعون بقلوبكم ، وتفهمون مراد مخاطبة الحقّ
هامش
( 1 ) أي : براهين توحيده ، ودلائل معرفته ، حاصلة من ربكم ، تنفتح بها البصائر ، وتبصر بها أنوار قدسه . البحر المديد ( 2 / 186 ) .