تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
فَخُذْها بِقُوَّةٍ
من قواي حين تفرّ من نفسك ومن غيري إليّ بالاستعانة بي ، واقتباسك قوة ونصرة مني ، فخذها بتلك القوة الإلهية لا بقوة نفسك ، فإن قوة نفسك حدثية ، ولا تحمل أثقال الربوبية إلا بقوة الإلهية ، فإذا صرت مطيتها وحملت تلك الأمانة من قومك .
يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
أي : بأسهلها عليهم من الأوامر والنواهي ؛ لأن حقائقها لا تليق إلا بك وبمثلك . وأيضا : يأخذوا بأبينها لهم ، وهي المحكمات التي توجب العبودية ويأخذون متشابهها ، التي هي وصف الصفات بحسن الاعتقاد والتسليم فيها ؛ لأن علومها وحقائقها لا تنكشف إلا للربانيين ، قال اللّه تعالى :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
[ آل عمران : 7 ] . قال بعضهم في قوله :
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
سر اللّه عند عباده ولأهل خصوصيته لا يحمله منهم إلا الأقوياء بأبدانهم وقلوبهم ، ألا ترى اللّه يقول لكليمه عليه السلام :
فَخُذْها بِقُوَّةٍ
والقوة هو الثقة باللّه والاعتماد على اللّه ؛ ولذلك قال بعضهم : عطاياه لا يحمل إلا مطاياه . وقيل في قوله :
فَخُذْها بِقُوَّةٍ
أي : خذها بي ولا تأخذها بنفسك ، فالقوي من لا حول له ولا قوة ، ويكون حوله وقوته بالقوي . قال الأستاذ :
وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ
فرق بين ما أمر به موسى عليه السلام من الأخذ ، وبين ما أمر أن يأمر به قومه من الأخذ ، أخذ موسى عليه السلام أخذا من الحق على وجه تحقيق الزلفة وتأكيد الوصلة ، وأخذهم أخذ قبول من حيث التزام الطاعة ، وشتان ما بينهما . ثم إن اللّه سبحانه ذكر أن عرائس خطابه ولطائف كلامه لا تتكشف لمن رأى قيمة نفسه في جنات الأزلية وميادين الربوبية بقول :
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ
أي : ما منع المدعين المعجبين بشأنهم ومزخرفاتهم بمجازاتهم كلام الدعاوي الباطلة .
بِغَيْرِ الْحَقِّ
عن إدراك حقائق خطابي ، وفهم لطائف معاني كلامهم ؛ لأنهم منكر وكرامات أوليائي وآيات أصفيائي ، بوصفه حالهم في تضاعيف الآيات بقوله :
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها
ثم زاد مباعدتهم من باب التوفيق ووجدان رشد الطريق بقوله تعالى :
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا