تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
سئل الحسين بن منصور : لم طبع موسى عليه السلام في الرؤية وسألها قال : لأنه انفرد للحق فانفرد الحق في جميع معانيه وصار الحق مواجهه في كل منظور إليه ومقابلة دون كل محظور لديه على الكشف الظاهر إليه لا على التغيب ، فذلك الذي حمله على سؤال الرؤية لا غير . قال أبو عثمان المغربي : لمّا قال موسى عليه السلام :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
، قال اللّه : يا موسى عليه السلام اضرب بعصاك الجبل ، فضرب عصاه الجبل فظهر سبعون ألف بحر ، في كل بحر سبعون ألف جبل ، على كل جبل ألف موسى عليه السلام عليهم الكساء وبأيديهم العصا ، يقولون كلهم :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
، فلمّا رأى ذلك
خَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
أيطمع في ليلي ، وتعلم أنها تقطع أعناق الرجال المطامع . ثم إن اللّه سبحانه لمّا أبقى موسى عليه السلام في درك حيرة رؤية الأزل ، واستغراقه في بحار الشوق إلى وجهه ، تلطف عليه وتسلّى قلبه بتعريف منّته الشاملة عليه ليكون شاكرا لأنعامه ، ومتسليا بتدارك قلبه بإكرامه ، فقال :
إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
أي : سبقت لك في الأزل اصطفائيتك المقدسة عن علّة الحدث برسالتك مني إلى أحبائي ، وتلك الرسالة شاملة لجميع ما يتوقع فيه الأولون والآخرون من الدنو ودنو الدنو ، والقرب ، وقرب القرب ، والوصال وكشف الجمال ؛ لأنها محل الاستقامة ووجدان جميع المنية . وأيضا : سبقت لك الاصطفائية بأن تسمع مني كلامي بلا واسطة ، وتعلم منه أسرار ملكي وملكوتي ، ألبستك من فعلي لباس الرسالة ، ومن أنوار كلامي وصفتي لباس الربوبية ؛ فصرت موصوفا بصفتي حين اصطفيتك ، فوقعت في نور فعلي ، ثم وقعت في نور صفتي ، حتى صرت في معنى الإنصاف مشاهدا لذاتي ، ولا تخلو شعرة من جسدك إلا ولها عين من عيوني فتراني بتلك العيون ، فإيش تطلب مني ، بقولك :
أَرِنِي
كن من الشاكرين فيما أعطيناك من هذه المنازل السنية والمراتب الرفيعة ، ولا تكن مهتما من قلّة إدراكك غوامض بطون قدمي وأزلي . وقال بعضهم : الاصطفائية أورثت التكليم والكلام لا التكليم أورث الاصطفائية . وقيل في قوله :
فَخُذْ ما آتَيْتُكَ
من عطائي ،
وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
لا من المدعين المختارين ، فما سبق مني إليك أكثر ممّا اخترته لنفسك . وقال بعضهم : لمّا قال :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
« 1 » أورث الاصطناع والاصطفائية ،
هامش
( 1 ) أي ربيتك بصنائع المعروف تربية من يتكلف تكوين المربى على طريقة من الطرائق ( لنفسي ) أي لتفعل