[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 115 إلى 124 ]
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ( 115 ) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ( 116 ) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 117 ) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 118 ) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ( 119 )
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 120 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 121 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 122 ) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 123 ) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 124 )
قوله تعالى :
وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
إن اللّه سبحانه ألبس أولياءه لباس أعدائه امتحانا لهم ولغيرهم ، فأرشدهم بقهره إلى لطفه ؛ إذ الأصل فيهم سبق اصطفائيتهم في الأزل ، كانوا ممتحنين محجوبين من رؤية اللطف بحجاب القهر ، فلمّا أتوا بالسحرية آلوا التقرب من فرعون من رأس الطبيعة وجرى في الأزل قربهم من رؤية الحق سبحانه ، فنطق اللّه على لسان عدوه إخبارا عن سابق العناية للسحرة بقوله :
نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
المنطق بالخبر هو اللّه سبحانه وإن لم يعرفوا مكان الخطاب ، ولكن جرى على وفق العناية خبر الغيب علمهم ، وفرعون في البين واسطة ، وحقيقة الخطاب من اللّه سبحانه .
قال بعضهم : دعا فرعون السحرة إلى القرب منه ، وجرى لهم في الأزل مقام القرب من الحق .
قال فرعون : إنكم لمن المقربين إلى منازل الأبرار وبعد وأمن قرب الأشقياء .
قوله تعالى :
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
السحر الحقيقي من عالم الفعل بواسطة الكسب البشري ، والمعجزة من عالم القدرة القديمة ، ولمّا ظهرت الصفة تلاشت معالم الاكتساب وغابت تواثير الفعلية .
قال السوسي : أظهر الحق لطيفة من صنعه في خشية عجز السحرة عنها ، وجعلها سببا لنجاتهم ، فقال :
فَوَقَعَ الْحَقُّ
بإظهار القدر في جماد وبطل ما كانوا يعملون من الأباطيل ، ولمّا ظهر قهر القدم بلباس العظمة من عصا موسى عليه السلام ، وانهزموا من سطوات العظمة ويا ليتهم لو ثبتوا ورأوا مشاهدة جلاله من لباس عظمته الذي تجلّى من العصا يكون حالهم كحال السحرة ، لكن غابوا في بحر ضلال الأزل ولم يوقفوا بما وفق السحرة عندما كوشف لهم وجه جلال القدم ، فرأوه بلا حجاب فألقوا أنفسهم بنعت الإذعان له عشقا ومحبة وشوقا إلى تلك المشاهدة بما أخبر اللّه عن شأنهم بقوله :
فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ وَأُلْقِيَ