تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
أهل اليقظة فإنهم يخافون المكر في جميع الأحوال إذ السوابق جارية والعواقب خفية . وقال أيضا : من لا يرى الكل تلبيسا كان المكر منه قريبا . قال أبو الخير الديلمي : كنت يوما عند الجنيد فارتعدت فرائصه ، وتغير لونه وبكى ، وقال : ما أخوفني أن يأخذني اللّه ، قال له بعض أصحابنا : نتكلم في درجات الراضين وأحوال المشتاقين ، قال : يا بني إياك أن تأمن مكر اللّه ، فلا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون . قال سهل : المكر تدبير اللّه بسابق العلم فلا ينبغي لأحد أن يأمن مكره ، وذلك أن من يأمن مكر اللّه بدفع القدرة ، ولا يجوز أن يخرج نفسه من قدرة اللّه عليه . وقوله تعالى :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
كأن هذه الآية أنزلت في شأننا مع هؤلاء البطالين الذين سلكوا الطريقة وأخطأوا بما وجدوا فيها من الجاه والمال ، ونقضوا عهد الإرادة واشتغلوا بالرياسة وخانوا في الطريقة وأنكروا على المشايخ ، أعمى اللّه قلوبهم ما أشد إنكارهم على أهل الحق وما أشد خروجهم عن طريق الحق ، جمعهم اللّه في الاستدراج وطردتهم عن أنوار المنهاج كأنه تعالى عاتب الجهور حيث لم يفوا عهد الأزل ، حيث وقف الكل على ما وجدوا ، وهكذا شأن ما ألتفت في مشاهدة المحبوب إلى غير المحبوب ، ولكن هم معذورون لأن الحدثان لا يستثقل أثقال محامل الكبرياء ومطايا القدم ، والبقاء في أودية الفناء . قال الجنيد : أحسن العباد حالا من وقف مع اللّه على حفظ الحدود ، والوفاء بالعهود . وقال اللّه تعالى :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ
« 1 » . قال الأستاذ : نجم في العذر طارقهم ، وأقل من سماء الوفاء شارقهم فعدم أكثرهم رعاية العهد وحق لهم من الحق قسمة الرد والصد . ويقال : شكا عن أكثرهم إلى أقلهم ، فالأكثرون من رده القسمة ، والأقلون من قبلتهم الوصلة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 105 إلى 106 ] حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 105 ) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 106 )
هامش
( 1 ) وذكر في أول التي تليها تنازعهم في الأنفال تحذيرا لهم من أن يكونوا من الأكثر المذمومين في هذه ، هذا بخلاف المقصود من سياق قصص بني إسرائيل في البقرة ، فإنه هناك للاستجلاب للإيمان بالتذكير بالنعم ، لأن ذلك في سياق خطابة سبحانه لجميع الناس بقوله :اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ[ البقرة : 21 ]كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ[ البقرة : 28 ] وما شاكله من الاستعطاف بتعداد النعم ودفع النقم واللّه أعلم . نظم الدرر ( 3 / 265 ) .