الاجتباء والاصطفاء ، وذنوب الأولياء تؤديهم إلى الكفارة ، وذنوب العامة تؤديهم إلى الإهانة .
قال الواسطي : لم تكن له في حال طينته خواطر غير الحق ، فلمّا أحضره في حضوره غاب عن حضوره فقال :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
ما ورد عليه من ربه عن غيره ، وهل لا قطعه باتصاله في اتصاله عن اتصاله ، وهل لا عيّنه ما عليه في نفسه عن نفسه ، فزاد اللّه حرقته وهيجانه حين أردف شوقه داء الفراق من مقام الميثاق ليستوعب حقائق البلاء في سفر العشق بقوله سبحانه :
اهْبِطُوا
أرسله من مقام البهجة إلى عالم المحنة بين أهل العداوة ومقاساة الفرقة بعد ذوق الوصلة ؛ لأن في مقام العشق الوصال والفراق تؤمان كان في عيش الوصال مع الحبيب صافي الحال بلا كدورة الجفاء ولا رحمة الفراق ؛ ففتح عساكر الامتحان عليه أيدي الفرقة من ممكن الغيرة وكدرت له مشرب الوصال في أيام الصفاء كقول القائل :
وكان لي مشرب يصفو برؤيتكم * فكدّرته يد الأيام حين صفا
وأنشد بعض المتأخرين :
وبتنا على رغم الحسود وبيننا * حديث كريح المسك شيب به الخمر
حديث لو أنّ الميت يحيا ببعضه * لأصبح حيّا بعد ما ضمّه القبر
فوسّدته كفي وبتّ ضجيعه * وقلت لليلي طل فقد رقد البدر
فلمّا أضاء الصبح فرّق بيننا * وأيّ نعيم لا يكدّره الدهر
لم يكن آدم عليه السلام وحواء في قيد الجنة إنما طمعا في الخلد ببقائهما مع الحبيب أبدا لكن صال عليهما عسكر غيرة القدم ، وأخرجهما من ساحة الكبرياء حتى لا يكون مع اللّه غير اللّه ، أصابتهما عن غيرة الأزل في معناه ، قال الشاعر :
إن تكن عين أصابتك فلا * زالت العين تصيب الحسنا
لم يهبطا من الدرجات الكرامات وإن أخرجا من بقاع الجنات قيل : لم يخرج آدم عليه السلام عن رتبة الفضيلة ، وإن أخرج عن دار الكرامة ، فلذلك قال :
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ
[ طه :
122 ] ، ولمّا حجبهما عن مقام الوصال وأدخلهما دار الفراق أخبرهما أنهما يحيان في الأرض بروح المعرفة ورزق المشاهدة ويموتان في حجر الشفقة عن صولة الحال والمكاشفة فيخرجان منها بنعت التوحيد والمحبة .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 25 إلى 26 ]
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ ( 25 ) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 26 )